فخر الدين الرازي

184

تفسير الرازي

السحاب الذي مس الأرض وقد تقدم تفسير الأجاج أنه الماء المر من شدة الملوحة ، والظاهر أنه هو الحار من أجيج النار كالحطام من الحطيم ، وقد ذكرناه في قوله تعالى : * ( هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج ) * ( الفرقان : 53 ) ذكر في الماء الطيب صفتين إحداهما عائدة إلى طعمه والأخرى عائدة إلى كيفية ملمسه وهي البرودة واللطافة ، وفي الماء الآخر أيضاً صفتين إحداهما عائدة إلى طعمه والأخرى عائدة إلى كيفية لمسه وهي الحرارة ، ثم قال تعالى : * ( فلولا تشكرون ) * لم يقل عند ذكر الطعام الشكر وذلك لوجهين أحدهما : أنه لم يذكر في المأكول أكلهم ، فلما لم يقل : تأكلون لم يقل : تشكرون وقال في الماء : * ( تشربون ) * فقال : * ( تشكرون ) * والثاني : أن في المأكول قال : * ( تحرثون ) * ( الواقعة : 63 ) فأثبت لهم سعياً فلم يقل : تشكرون وقال في الماء : * ( أأنتم أنزلتموه من المزن ) * لا عمل لكم فيه أصلاً فهو محض النعمة فقال : * ( فلولا تشكرون ) * وفيه وجه ثالث : وهو الأحسن أن يقال : النعمة لا تتم إلا عند الأكل والشرب ألا ترى أن في البراري التي لا يوجد فيها الماء لا يأكل الإنسان شيئاً مخافة العطش ، فلما ذكر المأكول أولاً وأتمه بذكر المشروب ثانياً قال : * ( فلولا تشكرون ) * على هذه النعمة التامة . ثم قال تعالى : * ( أَفَرَءَيْتُمُ النَّارَ الَّتِى تُورُونَ * أَءَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ ) * . وفي شجرة النار وجوه أحدها : أنها الشجرة التي تورى النار منها بالزند والزندة كالمرخ وثانيها : الشجرة التي تصلح لإيقاد النار كالحطب فإنها لو لم تكن لم يسهل إيقاد النار ، لأن النار لا تتعلق بكل شيء كما تتعلق بالحطب وثالثها : أصول شعلها ووقود شجرتها ولولا كونها ذات شعل لما صلحت لإنضاج الأشياء والباقي ظاهر . * ( نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ ) * . في قوله : * ( تذكرة ) * وجهان أحدهما : تذكرة لنار القيامة فيجب على العاقل أن يخشى الله تعالى وعذابه إذا رأى النار الموقدة وثانيهما : تذكرة بصحة البعث ، لأن من قدر على إيداع النار في الشجر الأخضر لا يعجز عن إيداع الحرارة الغريزية في بدن الميت وقد ذكرناه في تفسير قوله تعالى : * ( الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً ) * ( يس : 80 ) والمقوى : هو الذي أوقده فقواه وزاده وفيه لطيفة : وهو أنه تعالى قدم كونها تذكرة على كونها متاعاً ليعلم أن الفائدة الأخروية أتم وبالذكر أهم . ثم قال تعالى : * ( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : في وجه تعلقه بما قبله ؟ نقول : لما ذكر الله تعالى حال المكذبين بالحشر والوحدانية ذكر الدليل عليهما بالخلق والرزق ولم يفدهم الإيمان قال لنبيه صلى الله عليه وسلم :