فخر الدين الرازي

179

تفسير الرازي

موجباً لما عملتم شيئاً على هذا التفسير المشهور ، والظاهر أن المراد من قوله : * ( وما نحن بمسبوقين ) * حقيقته وهي أنا ما سبقنا وهو يحتمل شيئين أحدهما : أن يكون معناه أنه هو الأول لم يكن قبله شيء وثانيهما : في خلق الناس وتقدير الموت فيهم ما سبق وهو على طريقة منع آخر وفيه فائدتان أما إذا قلنا : * ( وما نحن بمسبوقين ) * معناه ما سبقنا شيء فهو إشارة إلى أنكم من أي وجه تسلكون طريق النظر تنتهون إلى الله وتقفون عنده ولا تجاوزونه ، فإنكم إن كنتم تقولون : قبل النطفة أب وقبل الأب نطفة فالعقل يحكم بانتهاء النطف والآباء إلى خالق غير مخلوق ، وأنا ذلك فإني لست بمسبوق وليس هناك خالق ولا سابق غيري ، وهذا يكون على طريقة التدرج والنزول من مقام إلى مقام ، والعاقل الذي هداه الله تعالى الهداية القوية يعرف أولاً والذي دونه يعرف بعد ذلك برتبة ، والمعاند لا بد من أن يعرف إن عاد إلى عقله بعد المراتب ، ويقول : لا بد للكل من إله ، وهو ليس بمسبوق فيما فعله ، فمعناه أنه فعل ما فعل ، ولم يكن لمفعوله مثال ، وأما إن قلنا : إنه ليس بمسبوق ، وأي حاجة في إعادته له بمثال هو أهون فيكون كقوله تعالى : * ( وهو أهو عليه ) * ( الروم : 27 ) ويؤيده قوله تعالى : * ( على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في مالا تعلمون ) * فإن قيل : هذا لا يصح ، لأن مثل هذا ورد في سؤال سائل ، والمراد ما ذكرنا كأنه قال : وإنا لقادرون على أن نبدل أمثالكم وما نحن بمسبوقين ، أي لسنا بعاجزين مغلوبين فهذا دليلنا ، وذلك لأن قوله تعالى : * ( إنا لقادرون ) * أفاد فائدة انتفاء العجز عنه ، فلا بد من أن يكون لقوله تعالى : * ( وما نحن بمسبوقين ) * فائدة ظاهرة ، ثم قال تعالى : * ( على أن نبدل أمثالكم ) * في الوجه المشهور ، قوله تعالى : * ( على أن نبدل ) * يتعلق بقوله : * ( وما نحن بمسبوقين ) * أي على التبديل ، ومعناه وما نحن عاجزين عن التبديل . والتحقيق في هذا الوجه أن من سبقه الشيء كأنه غلبه فعجز عنه ، وكلمة على في هذا الوجه مأخوذة من استعمال لفظ المسابقة فإنه يكون على شيء ، فإن من سبق غيره على أمر فهو الغالب ، وعلى الوجه الآخر يتعلق بقوله تعالى : * ( نحن قدرنا ) * وتقديره : نحن قدرنا بينكم على وجه التبديل لا على وجه قطع النسل من أول الأمر ، كما يقول القائل : خرج فلان على أن يرجع عاجلاً ، أي على هذا الوجه خرج ، وتعلق كلمة على هذا الوجه أظهر ، فإن قيل : على ما ذهب إليه المفسرون لا إشكال في تبديل أمثالكم ، أي أشكالكم وأوصافكم ، ويكون الأمثال جمع مثل ، ويكون معناه وما نحن بعاجزين على أن نمسخكم ، ونجعلكم في صورة قردة وخنازير ، فيكون كقوله تعالى : * ( ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم ) * ( يس : 67 ) وعلى ما قلت في تفسير المسبوقين ، وجعلت المتعلق لقوله : * ( على أن نبدل أمثالكم ) * هو قوله : * ( نحن قدرنا ) * فيكون قوله : * ( نبدل أمثالكم ) * معناه على أن نبدل أمثالهم لا على عملهم ، نقول : هذا إيراد وارد على المفسرين بأسرهم إذا فسروا الأمثال بجمع المثل ، وهو الظاهر كما في قوله تعالى : * ( ثم لا يكونوا أمثالكم ) * ( محمد : 38 ) وقوله : * ( وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلاً ) * ( الإنسان : 28 ) فإن قوله : * ( إذا ) * دليل الوقوع ، وتغير أوصافهم بالمسخ ليس أمراً يقع والجواب أن يقال : الأمثال