فخر الدين الرازي
180
تفسير الرازي
إما أن يكون جمع مثل ، وإما جمع مثل ، فإن كان جمع مثل فنقول معناه قدرنا بينكم الموت على هذا الوجه ، وهو أن نغير أوصافكم فتكونوا أطفالاً ، ثم شباناً ، ثم كهولاً ، ثم شيوخاً ، ثم يدرككم الأجل ، وما قدرنا بينكم الموت على أن نهلككم دفعة واحدة إلا إذا جاء وقت ذلك فتهلكون بنفخة واحدة وإن قلنا : هو جمع مثل فنقول معنى : * ( نبدل أمثالكم ) * نجعل أمثالكم بدلاً وبدله بمعنى جعله بدلاً ، ولم يحسن أن يقال : بدلناكم على هذا الوجه ، لأنه يفيد أنا جعلنا بدلاً فلا يدل على وقوع الفناء عليهم ، غاية ما في الباب أن قول القائل : جعلت كذا بدلاً لا تتم فائدته إلا إذا قال : جعلته بدلاً عن كذا لكنه تعالى لما قال : * ( نبدل أمثالكم ) * فالمثل يدل على المثل ، فكأنه قال : جعلنا أمثالكم بدلاً لكم ، ومعناه على ما ذكرنا أنه لم نقدر الموت على أن نفني الخلق دفعة بل قدرناه على أن نجعل مثلهم بدلهم مدة طويلة ثم نهلكهم جميعاً ثم ننشئهم ، وقوله تعالى : * ( فيما لا تعلمون ) * على الوجه المشهور في التفسير أنه فيما لا تعلمون من الأوصاف والأخلاق ، والظاهر أن المراد : * ( فيما لا تعلمون ) * من الأوصاف والزمان ، فإن أحداً لا يدري أنه متى يموت ومتى ينشأ أو كأنهم قالوا : ومتى الساعة والإنشاء ؟ فقال : لا علم لكم بهما ، هذا إذا قلنا : إن المراد ما ذكر فيه على الوجه المشهور وفيه لطيفة : وهي أن قوله : * ( فيما لا تعلمون ) * تقرير لقوله : * ( أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ) * ( الواقعة : 59 ) وكأنه قال : كيف يمكن أن تقولوا هذا وأنتم تنشأون في بطون أمهاتكم على أوصاف لا تعلمون وكيف يكون خالق الشيء غير عالم به ؟ وهو كقوله تعالى : * ( هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم ) * ( النجم : 32 ) وعلى ما ذكرنا فيه فائدة وهي التحريض على العمل الصالح ، لأن التبديل والإنشاء وهو الموت والحشر إذا كان واقعاً في زمان لا يعلمه أحد فينبغي أن لا يتكل الإنسان على طول المدة ولا يغفل عن إعداد العدة ، وقال تعالى : * ( ولقد علمتم النشأة الأولى ) * تقريراً لإمكان النشأة الثانية . ثم قال تعالى : * ( أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَءَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَارِعُونَ ) * . ذكر بعد دليل الخلق دليل الرزق فقوله : * ( أفرأيتم ما تمنون ) * إشارة إلى دليل الخلق وبه الابتداء ، وقوله : * ( أفرأيتم ما تحرثون ) * إشارة إلى دليل الرزق وبه البقاء ، وذكر أموراً ثلاثة المأكول ، والمشروب ، وما به إصلاح المأكول ، ورتبه ترتيباً فذكر المأكول أولاً لأنه هو الغذاء ، ثم المشروب لأن به الاستمراء ، ثم النار للتي بها الإصلاح وذكر من كل نوع ما هو الأصل ، فذكر من المأكول الحب فإنه هو الأصل ، ومن المشروب الماء لأنه هو الأصل ، وذكر من المصلحات النار لأن بها إصلاح أكثر الأغذية وأعمها ، ودخل في كل واحد منها ما هو دونه ، هذا هو الترتيب ، وأما التفسير فنقول : الفرق بين الحرث والزرع هو أن الحرث أوائل الزرع ومقدماته