فخر الدين الرازي
128
تفسير الرازي
وفيه مباحث : الأول : في الترتيب وأنه في غاية الحسن لأنه في أول الأمر بين المسكن وهو الجنة ، ثم بين ما يتنزه به فإن من يدخل بستاناً يتفرج أولاً فقال : * ( ذواتا أفنان * فيهما عينان ) * ( الرحمن : 48 ، 50 ) ثم ذكر ما يتناول من المأكول فقال : * ( فيهما من كل فاكهة ) * ( الرحمن : 52 ) ثم ذكر موضع الراحة بعد التناول وهو الفراش ، ثم ذكر ما يكون في الفراش معه . الثاني : * ( فيهن ) * الضمير عائد إلى ماذا ؟ نقول : فيه ثلاثة أوجه أحدها : إلى الآلاء والنعم أي قاصرات الطرف ثانيها : إلى الفراش أي في الفرش قاصرات وهما ضعيفان ، أما الأول فلأن اختصاص القاصرات بكونهن في الآلاء مع أن الجنتين في الآلاء والعينين فيهما والفواكه كذلك لا يبقى له فائدة ، وأما الثاني فلأن الفرش جعلها ظرفهم حيث قال : * ( متكئين على فرش ) * ( الرحمن : 54 ) وأعاد الضمير إليها بقوله : * ( بطائنها ) * ( الرحمن : 54 ) ولم يقل : بطائنهن ، فقوله * ( فيهن ) * يكون تفسيراً للضمير فيحتاج إلى بيان فائدة لأنه تعالى قال بعد هذا مرة أخرى : * ( فيهن خيرات ) * ( الرحمن : 70 ) ولم يكن هناك ذكر الفرش فالأصح إذن هو الوجه الثالث : وهو أن الضمير عائد إلى الجنتين ، وجمع الضمير ههنا وثنى في قوله : * ( فيهما عينان ) * ( الرحمن : 50 ) و : * ( فيهما من كل فاكهة ) * ( الرحمن : 52 ) وذلك لأنا بينا أن الجنة لها اعتبارات ثلاثة أحدها : اتصال أشجارها وعدم وقوع الفيافي والمهامة فيها والأراضي الغامرة ، ومن هذا الوجه كأنها جنة واحدة لا يفصلها فاصل وثانيها : اشتمالها على النوعين الحاصرين للخيرات ، فإن فيها ما في الدنيا ، وما ليس في الدنيا وفيها ما يعرف ، ومالا يعرف ، وفيها ما يقدر على وصفه ، وفيها مالا يقدر ، وفيها لذات جسمانية ولذات غير جسمانية فلاشتمالها على النوعين كأنها جنتان وثالثها : لسعتها وكثرة أشحارها وأماكنها وأنهارها ومساكنها كأنها جنات ، فهي من وجه جنة واحدة ومن وجه جنتان ومن وجه جنات . إذا ثبت هذا فنقول : اجتماع النسوان للمعاشرة مع الأزواج والمباشرة في الفراش في موضع واحد في الدنيا لا يمكن ، وذلك لضيق المكان ، أو عدم الإمكان أو دليل ذلة النسوان ، فإن الرجل الواحد لا يجمع بين النساء في بيت إلا إذا كن جواري غير ملتفت إليهن ، فأما إذا كانت كل واحدة كبيرة النفس كثيرة المال فلا يجمع بينهن ، واعلم أن الشهوة في الدنيا كما تزداد بالحسن الذي في الأزواج تزداد بسبب العظمة وأحوال الناس في أكثر الأمر تدل عليه ، إذا ثبت هذا فنقول : الحظايا في الجنة يجتمع فيهن حسن الصورة والجمال والعز والشرف والكمال ، فتكون الواحدة لها كذا وكذا من الجواري والغلمان فتزداد اللذة بسبب كمالها ، فإذن ينبغي أن يكون لكل واحدة ما يليق بها من المكان الواسع فتصير الجنة التي هي واحدة من حيث الاتصال كثيرة من حيث تفرق المساكن فيها فقال : * ( فيهن ) * وأما الدنيا فليس فيها تفرق المساكن دليلاً للعظمة واللذة فقال * ( فيهما ) * ( الرحمن : 50 ) وهذا من اللطائف الثالث : قاصرات الطرف صفة لموصوف حذف ، وأقيمت الصفة مكانه ، والموصوف النساء أو الأزواج كأنه قال فيهن نساء قاصرات الطرف وفيه لطيفة : فإنه تعالى لم يذكر النساء إلا بأوصافهن ولم يذكر اسم الجنس فيهن ، فقال تارة : * ( وحور عين ) * ( الواقعة : 22 )