فخر الدين الرازي
129
تفسير الرازي
وتارة : * ( عرباً أتراباً ) * ( الرحمن : 56 ) وتارة : * ( قاصرات الطرف ) * ( الرحمن : 56 ) ولم يذكر نساء كذا وكذا لوجهين أحدهما : الإشارة إلى تنحدرهن وتسترهن ، فلم يذكرهن باسم الجنس لأن اسم الجنس يكشف من الحقيقة مالا يكشفه الوصف فإنك إذا قلت المتحرك المريد الآكل الشارب لا تكون بينته بالأوصاف الكثيرة أكثر مما بينته بقولك : حيوان وإنسان وثانيهما : إعظاماً لهن ليزداد حسنهن في أعين الموعودين بالجنة فإن بنات الملوك لا يذكرن إلا بالأوصاف . المسألة الرابعة : * ( قاصرات الطرف ) * من القصر وهو المنع أي المانعات أعينهن من النظر إلى الغير ، أو من القصور ، وهو كون أعينهن قاصرة لا طماح فيها للغير ، أقول والظاهر أنه من القصر إذ القصر مدح والقصور ليس كذلك ، ويحتمل أن يقال : هو من القصر بمعنى أنهن قصرن أبصارهن ، فأبصارهن مقصورة وهن قاصرات فيكون من إضافة الفاعل إلى المفعول والدليل عليه هو أن القصر مدح والقصور ليس كذلك ، وعلى هذا ففيه لطيفة وهي أنه تعالى قال من بعد هذه : * ( حور مقصورات ) * ( الرحمن : 72 ) فهن مقصورات وهن قاصرات ، وفيه وجهان أحدهما : أن يقال : هن قاصرات أبصارهن كما يكون شغل العفائف ، وهن قاصرات أنفسهن في الخيام كما هو عادة المخدرات لأنفسهن في الخيام ولأبصارهن عن الطماح وثانيهما : أن يكون ذلك بياناً لعظمتهن وعفافهن وذلك لأن المرأة التي لا يكون لها رادع من نفسها ولا يكون لها أولياء يكون فيها نوع هوان ، وإذا كان لها أولياء أعزة امتنعت عن الخروج والبروز ، وذلك يدل على عظمتهن ، وإذا كن في أنفسهن عند الخروج لا ينظرن يمنة ويسرة فهن في أنفسهن عفائف ، فجمع بين الإشارة إلى عظمتهن بقوله تعالى : * ( مقصورات ) * منعهن أولياؤهن وههنا وليهن الله تعالى ، وبين الإشارة إلى عفتهن بقوله تعالى : * ( قاصرات الطرف ) * ثم تمام اللطف أنه تعالى قدم ذكر ما يدل على العفة على ما يدل على العظمة وذكر في أعلى الجنتين قاصرات وفي أدناهما مقصورات ، والذي يدل على أن المقصورات يدل على العظمة أنهن يوصفن بالمخدرات لا بالمتخدرات ، إشارة إلى أنهن خدرهن خادر لهن غيرهن كالذي يضرب الخيام ويدلي الستر ، بخلاف من تتخذه لنفسها وتغلق بابها بيدها ، وسنذكر بيانه في تفسير الآية بعد . المسألة الخامسة : * ( قاصرات الطرف ) * فيها دلالة عفتهن ، وعلى حسن المؤمنين في أعينهن ، فيجبن أزواجهن حباً بشغلهن عن النظر إلى غيرهم ، ويدل أيضاً على الحياء لأن الطرف حركة الجفن ، والحورية لا تحرك جفنها ولا ترفع رأسها . المسألة السادسة : * ( لم يطمثهن ) * فيه وجوه أحدها : لم يفرعهن ثانيها : لم يجامعهن ثالثها : لم يمسسهن ، وهو أقرب إلى حالهن وأليق بوصف كمالهن ، لكن لفظ الطمث غير ظاهر فيه ولو كان المراد منه المس لذكر اللفظ الذي يستحسن ، وكيف وقد قال تعالى : * ( وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ) * ( البقرة : 237 ) وقال : * ( فاعتزلوا ) * ( البقرة : 222 ) ولم يصرح بلفظ موضوع للوطء ، فإن قيل : فما ذكرتم من