فخر الدين الرازي
27
تفسير الرازي
استغراقهم في لذات الدنيا واشتغالهم بطلبها أعرضوا عنها ، ولم يلتفتوا إليها ، ولهذا السبب قال تعالى في حقهم * ( ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ) * فلما كان الأمر كذلك بين أن قوم عاد كانوا أكثر أموالاً وقوة وجاهاً منهم ، ثم إن الله تعالى سلّط العذاب عليهم بسبب شؤم كفرهم فذكر هذه القصة ههنا ليعتبر بها أهل مكة ، فيتركوا الاغترار بما وجدوه من الدنيا ويقبلوا على طلب الدين ، فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذه القصة في هذا الموضع ، وهو مناسب لما تقدم لأن من أراد تقبيح طريقة عند قوم كان الطريق فيه ضرب الأمثال ، وتقديره أن من واظب على تلك الطريقة نزل به من البلاء كذا وكذا ، وقوله تعالى : * ( واذكر أخا عاد ) * أي واذكر يا محمد لقومك أهل مكة هوداً عليه السلام * ( إذ أنذر قومه ) * أي حذرهم عذاب الله إن لم يؤمنوا ، وقوله * ( بالأحقاف ) * قال أبو عبيدة الحقف الرمل المعوج ، ومنه قيل للمعوج محقوف وقال الفراء الأحقاف واحدها حقف وهو الكثيب المكسر غير العظيم وفيه اعوجاج ، قال ابن عباس الأحقاف وادٍ بين عمان ومهرة والنذر جمع نذير بمعنى المنذر * ( من بين يديه ) * من قبله * ( ومن خلفه ) * من بعده والمعنى أن هوداً عليه السلام قد أنذرهم وقال لهم أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم العذاب . واعلم أن الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره . ثم حكى تعالى عن الكفار أنهم * ( قالوا أجئتنا لتأفكنا ) * الإفك الصرف ، يقال أفكه عن رأيه أي صرفه ، وقيل بل المراد لتزيلنا بضرب من الكذب * ( عن آلهتنا ) * وعن عبادتها * ( فأتنا بما تعدنا ) * معاجلة العذاب على الشرك * ( إن كنت من الصادقين ) * في وعدك ، فعند هذا قال هود * ( إنما العلم عند الله ) * وإنما صلح هذا الكلام جواباً لقولهم * ( فأتنا بما تعدنا ) * لأن قولهم * ( فأتنا بما تعدنا ) * استعجال منهم لذلك العذاب فقال لهم هود لا علم عندي بالوقت الذي يحصل فيه ذلك العذاب ، إنما علم ذلك عند الله تعالى * ( وأبلغكم ما أرسلت به ) * وهو التحذير عن العذاب ، وأما العلم بوقته فما أوحاه الله إليّ * ( ولكني أراكم قوم تجهلون ) * وهذا يحتمل وجوهاً الأول : المراد أنكم لا تعلمون أن الرسل لم يبعثوا سائلين عن غير ما أذن لهم فيه وإنما بعثوا مبلغين الثاني : أراكم قوماً تجهلون من حيث إنكم بقيتم مصرين على كفركم وجهلكم فيغلب على ظني أنه قرب الوقت الذي ينزل عليكم العذاب بسبب هذ الجهل المفرط والوقاحة التامة الثالث : * ( إني أراكم قوماً تجهلون ) * حيث تصرون على طلب العذاب وهب أنه لم يظهر لكم كوني صادقاً ، ولكن لم يظهر أيضاً لكم كوني كاذباً فالإقدام على الطلب الشديد لهذا العذاب جهل عظيم . ثم قال تعالى : * ( فلما رأوه ) * ذكر المبرّد في الضمير في رأوه قولين أحدهما : أنه عائد إلى غير مذكور وبينه قوله * ( عارضاً ) * كما قال : * ( ما ترك على ظهرها من دابة ) * ( فاطر : 45 ) ولم يذكر الأرض لكونها معلومة فكذا هاهنا الضمير عائد إلى السحاب ، كأنه قيل : فلما رأوا السحاب عارضاً وهذا اختيار الزجاج