فخر الدين الرازي

28

تفسير الرازي

ويكون من باب الإضمار لا على شريطة التفسير والقول الثاني : أن يكون الضمير عائداً إلى ما في قوله * ( فأتنا بما تعدنا ) * أي فلما رأوا ما يوعدون به عارضاً ، قال أبو زيد العارض السحابة التي ترى في ناحية السماء ثم تطبق ، وقوله * ( مستقبل أوديتهم ) * قال المفسرون كانت عاد قد حبس عنهم المطر أياماً فساق الله إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من وادٍ يقال له المغيث * ( فلما رأوه مستقبل أوديتهم ) * استبشروا و * ( قالوا هذا عارض ممطرنا ) * والمعنى ممطر إيانا ، قيل كان هود قاعداً في قومه فجاء سحاب مكثر فقالوا * ( هذا عارض ممطرنا ) * فقال : * ( بل هو ما استعجلتم به ) * من العذاب ثم بيّن ماهيته فقال : * ( ريح فيها عذاب أليم ) * . ثم وصف تلك الريح فقال : * ( تدمر كل شيء ) * أي تهلك كل شيء من الناس والحيوان والنبات * ( بأمر ربها ) * والمعنى أن هذا ليس من باب تأثيرات الكواكب والقرانات ، بل هو أمر حدث ابتداء بقدرة الله تعالى لأجل تعذيبكم * ( فأصبحوا ) * يعني عاداً * ( لا يرى إلا مساكنهم ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : روي أن الريح كانت تحمل الفسطاط فترفعها في الجو حتى يرى كأنها جرادة ، وقيل أول من أبصر العذاب امرأة منهم قالت رأيت ريحاً فيها كشهب النار ، وروي أن أول ما عرفوا به أنه عذاب أليم ، أنهم رأوا ما كان في الصحراء من رجالهم ومواشيهم يطير به الريح بين السماء والأرض فدخلوا بيوتهم وغلقوا أبوابهم فعلقت الريح الأبواب وصرعتهم ، وأحال الله عليهم الأحقاف ، فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين ، ثم كشفت الريح عنهم فاحتملتهم فطرحتهم في البحر ، وروي أن هوداً لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطاً إلى جنب عين تنبع فكانت الريح التي تصيبهم ريحاً لينة هادئة طيبة ، والريح التي تصيب قوم عاد ترفعهم من الأرض وتطيرهم إلى السماء وتضربهم على الأرض ، وأثر المعجزة إنما ظهر في تلك الريح من هذا الوجه ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما أمر الله خازن الرياح أن يرسل على عاد إلا مثل مقدار الخاتم " ثم إن ذلك القدر أهلكهم بكليتهم ، والمقصود من هذا الكلام إظهار كمال قدرة الله تعالى ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا رأى الريح فزع وقال : " اللّهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما أرسلت به " . المسألة الثالثة : قرأ عاصم وحمزة * ( لا يرى ) * بالياء وضمها * ( مساكنَهم ) * بضم النون ، قال الكسائي معناه لا يرى شيء إلا مساكنهم ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والكسائي * ( لا ترى ) * على الخطاب أي لا ترى أنت أيها المخاطب ، وفي بعض الروايات عن عاصم * ( لا ترى ) * بالتاء * ( مساكنهم ) * بضم النون وهي قراءة الحسن والتأويل لا ترى من بقايا عاد أشياء إلا مساكنهم . وقال الجمهور هذه القراءة ليست بالقوية . ثم قال تعالى : * ( كذلك نجزي القوم المجرمين ) * والمقصود منه تخويف كفار مكة ، فإن قيل