فخر الدين الرازي

24

تفسير الرازي

التأفيف لكما خاصة ، ولأجلكما دون غيركما ، وقرئ * ( أتعدانني ) * بنونين ، وأتعداني بأحدهما وأتعداني بالإدغام ، وقرأ بعضهم : أتعدانني بفتح النون كأنه استثقل اجتماع النونين والكسرين والياء ، ففتح الأولى تحرياً للتخفيف كما تحراه من أدغم ومن طرح أحدهما . ثم قال : * ( أن أخرج ) * أي أن أبعث وأخرج من الأرض ، وقرئ * ( أخرج وقد خلت القرون من قبلي ) * يعني ولم يبعث منهم أحد . ثم قال : * ( وهما يستغيثان الله ) * أي الوالدان يستغيثان الله ، فإن قالوا : كان الواجب أن يقال يستغيثان بالله ؟ قلنا الجواب : من وجهين الأول : أن المعنى أنهما يستغيثان الله من كفره وإنكاره ، فلما حذف الجار وصل الفعل الثاني : يجوز أن يقال الباء حذف ، لأنه أريد بالاستغاثة ههنا الدعاء على ما قاله المفسرون * ( يدعوان الله ) * فلما أريد بالاستغاثة الدعاء حذف الجار ، لأن الدعاء لا يقتضيه ، وقوله * ( ويلك ) * أي يقولان له ويلك * ( آمن ) * وصدق بالبعث وهو دعاء عليه بالثبور ، والمراد به الحث ، والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك . ثم قال : * ( إن وعد الله ) * بالبعث حق ، فيقول لهما ما هذا الذي تقولان من أمر البعث وتدعوانني إليه * ( إلا أساطير الأولين ) * . ثم قال تعالى : * ( أولئك الذين حق عليهم القول ) * أي حقت عليهم كلمة العذاب ، ثم ههنا قولان : فالذين يقولون المراد بنزول الآية عبد الرحمن بن أبي بكر ، قالوا المراد بهؤلاء الذين حقت عليهم كلمة العذاب هم القرون الذين خلوا من قبله ، والذين قالوا المراد به ليس عبد الرحمن ، بل كل ولد كان موصوفاً بالصفة المذكورة ؛ قالوا هذا الوعيد مختص بهم ، وقوله * ( في أمم ) * نظير لقوله * ( في أصحاب الجنة ) * وقد ذكرنا أنه نظير لقوله : أكرمني الأمير في أناس من أصحابه ، يريد أكرمني في جملة من أكرم منهم . ثم قال : * ( إنهم كانوا خاسرين ) * وقرئ أن بالفتح على معنى آمن بأن وعد الله حق . ثم قال : * ( ولكل درجات مما عملوا ) * وفيه قولان الأول : أن الله تعالى ذكر الولد البار ، ثم أردفه بذكر الولد العاق ، فقوله * ( ولكل درجات مما عملوا ) * خاص بالمؤمنين ، وذلك لأن المؤمن البار بوالديه له درجات متفاوتة ، ومراتب مختلفة في هذا الباب والقول الثاني : أن قوله * ( لكل درجات مما عملوا ) * عائد إلى الفريقين ، والمعنى ولكل واحد من الفريقين درجات في الإيمان والكفر والطاعة والمعصية ، فإن قالوا كيف يجوز ذكر لفظ الدرجات في أهل النار ، وقد جاء في الأثر الجنة الدرجات ، والنار دركات ؟ قلنا فيه وجوه الأول : يجوز أن يقال ذلك على جهة التغليب الثاني : قال ابن زيد : درج أهل الجنة يذهب علواً ، ودرج أهل النار ينزلوا هبوطاً . الثالث : أن المراد بالدرجات المراتب المتزايدة ، إلا أن زيادات أهل الجنة في الخيرات والطاعات ، وزيادات أهل النار في المعاصي والسيئات .