فخر الدين الرازي

25

تفسير الرازي

ثم قال تعالى : * ( وليوفيهم ) * وقرئ بالنون وهذا تعليل معللة محذوف لدلالة الكلام عليه كأنه وليوفيهم أعمالهم ولا يظلمهم حقوقهم ، قدر جزاءهم على مقادير أعمالهم فجعل الثواب درجات والعقاب دركات ، ولما بيّن الله تعالى أنه يوصل حق كل أحد إليه بين أحوال أهل العقاب أولاً ، فقال : * ( ويوم يعرض الذين كفروا على النار ) * قيل يدخلون النار ، وقيل تعرض عليهم النار ليروا أهوالها * ( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ) * قرأ ابن كثير * ( أذهبتم ) * استفهام بهمزة ومدة ، وابن عامر استفهام بهمزتين بلا مدة والباقون * ( أذهبتم ) * بلفظ الخبر والمعنى أن كل ما قدر لكم من الطيبات والراحات فقد استوفيتموه في الدنيا وأخذتموه ، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها ، وعن عمر لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباساً ، ولكني أستبقي طيباتي ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعاً فقال : " أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى ، ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى ويستر بيته كما تستر الكعبة ، قالوا نحن يومئذ خير قال بل أنتم اليوم خير ؟ " ، رواه صاحب " الكشاف " قال الواحدي : إن الصالحين يؤثرون التقشف والزهد في الدنيا رجاء أن يكون ثوابهم في الآخرة أكمل ، إلا أن هذه الآية لا تدل على المنع من التنعم ، لأن هذه الآية وردت في حق الكافر ، وإنما وبخ الله الكافر لأنه يتمتع بالدنيا ولم يؤد شكر المنعم بطاعته والإيمان به ، وأما المؤمن فإنه يؤدي بإيمانه شكر المنعم فلا يوبخ بتمتعه ، والدليل عليه قوله تعالى : * ( قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) * ( الأعراف : 32 ) نعم لا ينكر أن الاحتراز عن التنعم أولى ، لأن النفس إذا اعتادت التنعم صعب عليها الاحتراز والانقباض ، وحينئذ فربما حمله الميل إلى تلك الطيبات على فعل ما لا ينبغي ، وذلك مما يجر بعضه إلى بعض ويقع في البعد عن الله تعالى بسببه . ثم قال تعالى : * ( فاليوم تجزون عذاب الهون ) * أي الهوان ، وقرئ عذاب الهوان * ( بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون ) * فعلل تعالى ذلك العذاب بأمرين : أولهما : الاستكبار والترفع وهو ذنب القلب الثاني : الفسق وهو ذنب الجوارح ، وقدم الأول على الثاني لأن أحوال القلوب أعظم وقعاً من أعمال الجوارح ، ويمكن أن يكون المراد من الاستكبار أنهم يتكبرون عن قبول الدين الحق ، ويستنكفون عن الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام ، وأما الفسق فهو المعاصي واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع ، قالوا لأنه تعالى علل عذابهم بأمرين : أولهما : الكفر وثانيهما : الفسق ، وهذا الفسق لا بد وأن يكون مغايراً لذلك الكفر ، لأن العطف يوجب المغايرة ، فثبت أن فسق الكفار يوجب العقاب في حقهم ، ولا معنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل المنهيات ، والله أعلم .