فخر الدين الرازي
13
تفسير الرازي
أَوْزِعْنِى أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَالِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِى إِنَّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّى مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيْئَاتِهِمْ فِى أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما قرر دلائل التوحيد والنبوّة وذكر شبهات المنكرين وأجاب عنها ، ذكر بعد ذلك طريقة المحقين والمحققين فقال : * ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) * وقد ذكرنا تفسير هذه الكلمة في سورة السجدة والفرق بين الموضعين أن في سورة السجدة ذكر أن الملائكة ينزلون ويقولون * ( أن لا تخافوا ولا تحزنوا ) * ( فصلت : 30 ) وهاهنا رفع الواسطة من البين وذكر أنه * ( لا خوف عليهم ولا هم يحزبون ) * فإذا جمعنا بين الآيتين حصل من مجموعهما أن الملائكة يبلغون إليهم هذه البشارة ، وأن الحق سبحانه يسمعهم هذه البشارة أيضاً من غير واسطة . واعلم أن هذه الآيات دالة على أن من آمن بالله وعمل صالحاً فإنهم بعد الحشر لا ينالهم خوف ولا حزن ، ولهذا قال أهل التحقيق إنهم يوم القيامة آمنون من الأهوال ، وقال بعضهم خوف العقاب زائل عنهم ، أما خوف الجلال والهيبة فلا يزول البتة عن العبد ، ألا ترى أن الملائكة مع علو درجاتهم وكمال عصمتهم لا يزول الخوف عنهم فقال تعالى : * ( يخافون ربهم من فوقهم ) * ( النحل : 50 ) وهذه المسألة سبقت بالاستقصاء في آيات كثيرة منها قوله تعالى : * ( لا يحزنهم الفزع الأكبر ) * ( الأنبياء : 103 ) . ثم قال تعالى : * ( أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاءً بما كانوا يعملون ) * قالت المعتزلة : هذه الآية تدل على مسائل أولها : قوله تعالى : * ( أولئك أصحاب الجنة ) * وهذا يفيد الحصر ، وهذا يدل على أن أصحاب الجنة ليسوا إلا الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ، وهذا يدل على أن صاحب الكبيرة قبل التوبة لا يدخل الجنة وثانيها : قوله تعالى : * ( جزاء بما كانوا يعملون ) * وهذا يدل على فساد قول من يقول : الثواب فضل لا جزاء وثالثها : أن قوله تعالى : * ( بما كانوا يعملون ) * يدل على إثبات العمل للعبد ورابعها : أن هذا يدل على أنه يجوز أن يحصل الأثر في حال المؤثر ، أو أي أثر كان موجوداً قبل ذلك بدليل أن العمل المتقدم أوجب الثواب المتأخر وخامسها : كون العبد