فخر الدين الرازي

14

تفسير الرازي

مستحقاً على الله تعالى ، وأعظم أنواع هذا النوع الإحسان إلى الوالدين ، لا جرم أردفه بهذا المعنى ، فقال تعالى : * ( ووصينا الإنسان بوالديه حسناً ) * وقد تقدم الكلام في نظير هذه الآية في سورة العنكبوت ، وفي سورة لقمان ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي * ( بوالديه إحساناً ) * والباقون * ( حسناً ) * . واعلم أن الإحسان خلاف الإساءة والحسن خلاف القبيح ، فمن قرأ * ( إحساناً ) * فحجته قوله تعالى في سورة بني إسرائيل * ( وبالوالدين إحساناً ) * ( الإسراء : 43 ) والمعنى أمرناه بأن يوصل إليهما إحساناً ، وحجة القراءة الثانية قوله تعالى في العنكبوت * ( ووصينا الإنسان بوالديه حسناً ) * ( العنكبوت : 8 ) ولم يختلفوا فيه ، والمراد أيضاً أنا أمرناه بأن يوصل إليهما فعلاً حسناً ، إلا أنه سمى ذلك الفعل الحسن بالحسن على سبيل المبالغة ، كما يقال : هذا الرجل علم وكرم ، وانتصب حسناً على المصدر ، لأن معنى * ( ووصينا الإنسان بوالديه ) * أمرناه أن يحسن إليهما * ( إحساناً ) * . ثم قال تعالى : * ( حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي * ( كرهاً ) * بضم الكاف ، والباقون بفتحها ، قيل هما لغتان : مثل الضعف والضعف ، والفقر والفقر ، ومن غير المصادر : الدف والدف ، والشهد والشهد ، قال الواحدي : الكره مصدر من كرهت الشيء أكرهه ، والكره الاسم كأنه الشيء المكروه قال تعالى : * ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم ) * ( البقرة : 216 ) فهذا بالضم ، وقال : * ( أن ترثوا النساء كرهاً ) * ( النساء : 19 ) فهذا في موضع الحال ، ولم يقرأ الثانية بغير الفتح ، فما كان مصدراً أو في موضع الحال فالفتح فيه أحسن ، وما كان اسماً نحو ذهبت به على كره كان الضم فيه أحسن . المسألة الثانية : قال المفسرون . حملته أمه على مشقة ووضعته في مشقة ، وليس يريد ابتداء الحمل ، فإن ذلك لا يكون مشقة ، وقد قال تعالى : * ( فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً ) * ( الأعراف : 189 ) يريد ابتداء الحمل ، فإن ذلك لا يكون مشقة ، فالحمل نطفة وعلقة ومضغة ، فإذا أثقلت فحينئذ * ( حملته كرهاً ووضعته كرهاً ) * يريد شدة الطلق . المسألة الثالثة : دلت الآية على أن حق الأم أعظم ، لأنه تعالى قال أولاً : * ( ووصينا الإنسان بوالديه حسناً ) * فذكرهما معاً ، ثم خص الأم بالذكر ، فقال : * ( حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً ) * وذلك يدل على أن حقها أعظم ، وأن وصول المشاق إليها بسبب الولد أكثر ، والأخبار مذكورة في هذا الباب . ثم قال تعالى : * ( وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : هذا من باب حذف المضاف ، والتقدير ومرة حمله وفصاله ثلاثون شهراً والفصال الفطام وهو فصله عن اللبن ، فإن قيل المراد بيان مدة الرضاعة لا الفطام ، فكيف عبّر عنه بالفصال ؟ قلنا : لما كان الرضاع يليه الفصال ويلائمه ، لأنه ينتهي ويتم به سمي فصالاً .