فخر الدين الرازي
22
تفسير الرازي
الاَْرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) * اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل العقاب في الآية المتقدمة ، شرح أحوال أهل الثواب في هذه الآية ، فقال : * ( وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً ) * فإن قيل السوق في أهل النار للعذاب معقول ، لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع العذاب والشقاوة لا بدّ وأن يساقوا إليه ، وأما أهل الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع الكرامة والراحة والسعادة ، فأي حاجة فيه إلى السوق ؟ والجواب من وجوه الأول : أن المحبة والصداقة باقية بين المتقين يوم القيامة كما قال تعالى : * ( الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) * ( الزخرف : 67 ) فإذا قيل لواحد منهم إذهب إلى الجنة فيقول : لا أدخلها حتى يدخلها أحبائي وأصدقائي فيتأخرون لهذا السبب ، فحينئذٍ يحتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنة والثاني : أن الذين اتقوا ربهم قد عبدوا الله تعالى لا للجنة ولا للنار ، فتصير شدة استغراقهم في مشاهدة مواقف الجلال الجمال مانعة لهم عن الرغبة في الجنة ، فلا جرم يحتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنة والثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أكثر أهل الجنة البله وعليون للأبرار " فلهذا السبب يساقون إلى الجنة والرابع : أن أهل الجنة وأهل النار يساقون إلا أن المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهوان والعنف كما يفعل بالأسير إذ سيق إلى الحبس والقيد ، والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين ، والمراد بذلك السوق إسراعهم إلى دار الكرامة والرضوان كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على الملوك ، فشتان ما بين السوقين . ثم قال تعالى : * ( حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ) * الآية ، واعلم أن جملة هذا الكلام شرط واحد مركب من قيود : القيد الأول : هو مجيئهم إلى الجنة والقيد الثاني : قوله تعالى : * ( وفتحت أبوابها ) * فإن قيل قال أهل النار فتحت أبوابها بغير الواو ، وقال ههنا بالواو فما الفرق ؟ قلنا الفرق أن أبواب جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها ، فأما أبواب الجنة ففتحها يكون متقدماً على وصولهم إليها بدليل قوله * ( جنّات عدن مفتحة لهم الأبواب ) * ( ص : 50 ) فلذلك جيء بالواو كأنه قيل : حتى إذا جاءوها وقد فتحت أبوابها . القيد الثالث : قوله * ( وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ) * فبيّن تعالى أن خزنة الجنة يذكرون لأهل الثواب هذه الكلمات الثلاث فأولها : قولهم * ( سلام عليكم ) * وهذا يدل على أنهم يبشرونهم بالسلامة من كل الآفات