فخر الدين الرازي

23

تفسير الرازي

وثانيها : قولهم * ( طبتم ) * والمعنى طبتم من دنس المعاصي وطهرتم من خبث الخطايا وثالها : قولهم * ( فادخلوها خالدين ) * والفاء في قوله * ( فادخلوها ) * يدل على كون ذلك الدخول معللاً بالطيب والطهارة ، قالت المعتزلة هذا يدل على أن أحداً لا يدخلها إلا إذا كان طاهراً عن كل المعاصي ، قلنا هذا ضعيف لأنه تعالى يبدل سيئاتهم حسنات ، وحينئذٍ يصيرون طيبين طاهرين بفضل الله تعالى ، فإن قيل فهذا الذي تقدم ذكره هو الشرط فأين الجواب ؟ قلنا فيه وجهان الأول : أن الجواب محذوف والمقصود من الحذف أن يدل على أنه بلغ في الكمال إلى حيث لا يمكن ذكره الثاني : أن الجواب هو قوله تعالى : * ( وقال لهم خزنتها سلام عليكم ) * والواو محذوف ، والصحيح هو الأول ، ثم أخبر الله تعالى بأن الملائكة إذا خاطبوا المتقين بهذه الكلمات ، قال المتقون عند ذلك * ( الحمد لله الذي صدقنا وعده ) * في قوله * ( ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ) * ( فصلت : 30 ) * ( وأورثنا الأرض ) * والمراد بالأرض أرض الجنة ، وإنما عبر عنه بالإرث لوجوه الأول : أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم عليه السلام ، لأنه تعالى قال : وكلا منها رغداً حيث شئتما ) * ( البقرة : 35 ) فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم كان ذلك سبباً لتسميتها بالإرث الثاني : أن هذا اللفظ مأخوذ من قول القائل : هذا أورث كدا وهذا العمل أورث كدا فلما كانت طاعتهم قد أفادتهم الجنة ، لا جرم قالوا * ( وأورثنا الأرض ) * والمعنى أن الله تعالى أورثنا الجنة بأن وفقنا للإتيان بأعمال أورثت الجنة الثالث : أن الوارث يتصرف فيما يرثه كما يشاء من غي منازع ولا مدافع فكذلك المؤمنون المتقون يتصرفون في الجنة كيف شاءوا وأرادوا ، والمشابهة علة حسن المجاز فإن قيل ما معنى قوله * ( حيث نشاء ) * وهل يتبوأ أحدهم مكان غيره ؟ قلنا يكون لكل أحد جنة لا يحتاج معها إلى جنة عيره ، قال حكماء الإسلام : الجنات نوعان ، الجنات الجسمانية والجنات الروحانية فالجنات الجسمانية لا تحتمل المشاركة فيها ، أما الروحانيات فحصولها لواحد لا يمنع من حصولها للآخرين ، ولما بيّن الله تعالى صفة أهل الجنة قال : * ( فنعم أجر العاملين ) * قال مقاتل ليس هذا من كلام أهل الجنة ، بل من كلام الله تعالى لأنه لما حكى ما جرى بين الملائكة وبين المتقين من صفة ثواب أهل الجنة قال بعده * ( فنعم أجر العاملين ) * ولما قال تعالى : * ( وترى الملائكة حافين من حول العرش ) * ذكر عقيبه ثواب الملائكة فقال كما أن دار ثواب المتقين المؤمنين هي الجنة ، فكذلك دار ثواب الملائكة جوانب العرش وأطرافه ، فلهذا قال : * ( وترى الملائكة حافين من حول العرش ) * أي محفين بالعرش . قال الليث : يقال حف القوم بسيدهم يحفون حفاً إذا طافوا به . إذا عرفت هذا ، فنقول بيّن تعالى أن دار ثوابهم هو جوانب العرش وأطرافه ثم قال : * ( يسبحون بحمد ربهم ) * وهذا مشعر بأن ثوابهم هو عين ذلك التحميد والتسبيح ، وحينئذٍ رجع حاصل الكلام إلى أن أعظم درجات الثواب استغراق قلوب العباد درجات التنزيه ومنازل التقديس . ثم قال : * ( وقضي بينهم بالحق ) * والمعنى أنهم على درجات مختلفة ومراتب متفاوتة ، فلكل واحد