فخر الدين الرازي
21
تفسير الرازي
أما شرح أحوال أهل العقاب فهو المذكور في هذه الآية ، وهو قوله * ( وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً ) * قال ابن زيدان : سوق الذين كفروا إلى جهنم يكون بالعنف والدفع ، والدليل عليه قوله تعالى : * ( يوم يدعون إلى نار جهنم دعاً ) * ( الطور : 13 ) أي يدفعون دفعاً ، نظيره قوله تعالى : * ( فلذلك الذي يدع اليتيم ) * ( الماعون : 2 ) أي يدفعه ، ويدل عليه قوله تعالى : * ( ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ) * ( مريم : 86 ) . وأما الزمر ، فهي الأفواج المتفرقة بعض في أثر بعض ، فبين الله تعالى أنهم يساقون إلى جهنم فإذا جاءوها فتحت أبوابها ، وهذا يدل على أن أبواب جهنم إنما تفتح عند وصول أولئك إليها ، فإذا دخلوا جهنم قال لهم خزنة جهنم * ( ألم يأتكم رسل منكم ) * أي من جنسكم * ( ويتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا ) * فإن قيل فلم أضيف اليوم إليهم ؟ قلنا أراد لقاء وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار ، لا يوم القيامة ، واستعمال لفظ اليوم والأيام في أوقات الشدة مستفيض ، فعند هذا تقول الكفار : بلى قد أتونا وتلوا علينا * ( ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ) * وفي هذه الآية مسألتان : المسألة الأولى : تقدير الكلام أنه حقت علينا كلمة العذاب ، ومن حقت عليه كلمة العذاب فكيف يمكنه الخلاص من العذاب ، وهذا صريح في أن السعيد لا ينقلب شقياً ، والشقي لا ينقلب سعيداً ، وكلمات المعتزلة في دفع هذا الكلام معلومة ، وأجوبتنا عنها أيضاً معلومة . المسألة الثانية : دلت الآية على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع ، لأن الملائكة بينوا أنه ما بقي لهم علة ولا عذر بعد مجيء الأنبياء عليهم السلام ، ولو لم يكن مجيء الأنبياء شرطاً في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدة ، ثم إن الملائكة إذا سمعوا منهم هذا الكلام قالوا فهم * ( ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين ) * قالت المعتزلة : لو كان دخولهم النار لأجل أنه حقت عليهم كلمة العذاب لم يبق لقول الملائكة * ( فبئس مثوى المتكبرين ) * فائدة ، بل هذا الكلام إنما يبقى مقيداً إذا قلنا إنهم إنما دخلوا النار لأنهم تكبروا على الأنبياء ولم يقبلوا قولهم ، ولم يلتفتوا إلى دلائلهم ، وذلك يدل على صحة قولنا ، والله أعلم بالصواب . قوله تعالى * ( وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى الّجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُواْ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا