فخر الدين الرازي

288

تفسير الرازي

إلى الله وفي حال السلامة والصحة قطعه عن الله ، وأسنده إلى كسب نفسه ، وهذا تناقض قبيح ، فبين تعالى قبح طريقتهم فيما هم عليه عند الشدة والرخاء بلفظة وجيزة فصيحة ، فقال * ( بل هي فتنة ) * يعني النعمة التي خولها هذا الكافر فتنة ، لأن عند حصولها يجب الشكر ، وعند فواتها يجب الصبر ، ومن هذا حاله يوصف بأنه فتنة من حيث يختبر عنده حال من أوتي النعمة ، كما يقال فتنت الذهب بالنار ، إذا عرضته على النار لتعرف خلاصته . ثم قال تعالى : * ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) * والمعنى ما قدمنا أن هذا التخويل إنما كان لأجل الاختبار . وبقي في الآية أبحاث نذكرها في معرض السؤال والجواب . السؤال الأول : ما السبب في عطف هذه الآية بالفاء ههنا ، وعطف مثلها في أول السورة بالواو ؟ والجواب : أنه تعالى حكى عنهم قبل هذه الآية أنهم يشمئزون من سماع التوحيد ويستبشرون بسماع ذكر الشركاء ، ثم ذكر بفاء التعقيب أنهم إذا وقعوا في الضر والبلاء والتجأوا إلى الله تعالى وحده ، كان الفعل الأول مناقضاً للفعل الثاني ، فذكر فاء التعقيب ليدل على أنهم واقعون في المناقضة الصريحة في الحال ، وأنه ليس بين الأول والثاني فاصل مع أن كل واحد منهما مناقض للثاني ، فهذا هو الفائدة في ذكر فاء التعقيب ههنا . فأما الآية الأولى فليس المقصود منها بيان وقوعهم في التناقض في الحال ، فلا جرم ذكر الله بحرف الواو لا بحرف الفاء . السؤال الثاني : ما معنى التخويل ؟ الجواب : التخويل هو التفضل ، يعني نحن نتفضل عليه وهو يظن أنه إنما وجده بالاستحقاق . السؤال الثالث : ما المراد من قوله : * ( إنما أوتيته على علم ) * ؟ الجواب : يحتمل أن يكون المراد ، إنما أوتيته على علم الله بكوني مستحقاً لذلك ، ويحتمل أن يكون المراد ، إنما أوتيته على علمي بكوني مستحقاً له ، ويحتمل أن يكون المراد ، إنما أوتيته على علم لأجل ذلك العلم قدرت على اكتسابه مثل أن يكون مريضاً فيعالج نفسه ، فيقول إنما وجدت الصحة لعلمي بكيفية العلاج ، وإنما وجدت المال لعلمي بكيفية الكسب . السؤال الرابع : النعمة مؤنثة ، والضمير في قوله : * ( أوتيته ) * عائد على النعمة ، فضمير التذكير كيف عاد إلى المؤنث ، بل قال بعده : * ( بل هي فتنة ) * فجعل الضمير مؤنثاً فما السبب فيه ؟ والجواب : أن التقدير حتى إذا خولناه شيئاً من النعمة ، فلفظ النعمة مؤنث ومعناه مذكر ، فلا جرم جاز الأمران . ثم قال تعالى : * ( قد قالها الذين من قبلهم ) * فما أغنى عنهم الضمير في قالها راجح إلى قوله : * ( إنما أوتيته على علم ) * عندي لأنها كلمة أو جملة من المقول * ( والذين من قبلهم ) * هم قارون وقومه حيث قال : * ( إنما أوتيته على علم ) * عندي وقومه راضون به فكأنهم قالوها ، ويجوز أيضاً أن يكون في الأمم الخالية قائلون مثلها .