فخر الدين الرازي

289

تفسير الرازي

ثم قال تعالى : * ( فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ) * أي ما أغنى عنهم ذلك الاعتقاد الباطل والقول الفاسد الذي اكتسبوه من عذاب الله شيئاً بل أصابهم سيئات ما كسبوا ، ولما بين في أولئك المتقدمين أنهم أصابهم سيئات ما كسبوا أي عذاب عقائدهم الباطلة وأقوالهم الفاسدة قال : * ( وما هم بمعجزين ) * أي لا يعجزونني في الدنيا والآخرة . ثم قال تعالى : * ( أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) * يعني : أو لم يعلموا أن الله تعالى هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء تارة ، ويقبض تارة أخرى ، وقوله : * ( ويقدر ) * أي ويقتر ويضيق ، والدليل عليه أنا نرى الناس مختلفين في سعة الرزق وضيقه ولا بد له من سبب ، وذلك السبب ليس هو عقل الرجل وجهله ، لأنا نرى العاقل القادر في أشد الضيق ، ونرى الجاهل المريض الضعيف في أعظم السعة ، وليس ذلك أيضاً لأجل الطبائع والأنجم والأفلاك لأن في الساعة التي ولد فيها ذلك الملك الكبير والسلطان القاهر ، قد ولد فيه أيضاً عالم من الناس وعالم من الحيوانات غير الإنسان ، ويولد أيضاً في تلك الساعة عالم من النبات ، فلما شاهدنا حدوث هذه الأشياء الكثيرة في تلك الساعة الواحدة مع كونها مختلفة في السعادة والشقاوة ، علمنا أنه ليس المؤثر في السعادة والشقاوة هو الطالع ، ولما بطلت هذه الأقسام ، علمنا أن المؤثر فيه هو الله سبحانه ، وصح بهذا البرهان العقلي القاطع على صحة قوله تعالى : * ( أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) * . قال الشاعر : فلا السعد يقضي به المشترى * ولا النحس يقضي علينا زحل ولكنه حكم رب السماء * وقاضي القضاة تعالى وجل