فخر الدين الرازي
273
تفسير الرازي
الله موصوفون بأنهم عند المكاشفات والمشاهدات ، تارة تقشعر جلودهم وأخرى تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله . وليس فيه أن عقولهم تزول وأن أعضاءهم تضطرب ، فدل هذا على أن تلك الأحوال لو حصلت لكانت من الشيطان ، وأقول ههنا بحث آخر وهو أن الشيخ أبا حامد الغزالي أورد مسألة في كتاب إحياء علوم الدين ، وهي أنا نرى كثيراً من الناس يظهر عليه الوجد الشديد التام عند سماع الأبيات المشتملة على شرح الوصل والهجر ، وعند سماع الآيات لا يظهر عليه شيء من هذه الأحوال ، ثم إنه سلم هذا المعنى وذكر العذر فيه من وجوه كثيرة ، وأنا أقول : إني خلقت محروماً عن هذا المعنى ، فإني كلما تأملت في أسرار القرآن اقشعر جلدي وقف على شعري وحصلت في قلبي دهشة وروعة ، وكلما سمعت تلك الأشعار غلب الهزل علي وما وجدت البتة في نفسي منها أثراً ، وأظن أن المنهج القويم والصراط المستقيم هو هذا ، وبيانه من وجوه الأول : أن تلك الأشعار كلمات مشتملة على وصل وهجر وبغض وحب تليق بالخلق ، وإثباته في حق الله تعالى كفر ، وأما الانتقال من تلك الأحوال إلى معان لائقة بجلال الله فلا يصل إليها إلا العلماء الراسخون في العلم ، وأما المعاني التي يشتمل عليها القرآن فهي أحوال لائقة بجلال الله ، فمن وقف عليها عظم الوله في قلبه ، فإن من كان عنده نور الإيمان وجب أن يعظم اضطرابه عند سماع قوله : * ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) * ( الأنعام : 59 ) إلى آخر الآية والثاني : وهو أني سمعت بعض المشايخ قال كما أن الكلام له أثر فكذلك صدور ذلك الكلام من القائل المعين له أثر ، لأن قوة نفس القائل تعين على نفاذ الكلام في الروح ، والقائل في القرآن هنا هو الله بواسطة جبريل بتبليغ الرسول المعصوم ، والقائل هناك شاعر كذاب مملوء من الشهوة وداعية الفجور والثالث : أن مدار القرآن على الدعوة إلى الحق قال تعالى : * ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ) * ( الشورى : 52 ، 53 ) وأما الشعر فمداره على الباطل قال تعالى : * ( والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ، وأنهم يقولون ما لا يفعلون ) * ( الشعراء : 224 ، 226 ) فهذه الوجوه الثلاثة فروق ظاهرة ، وأما ما يتعلق بالوجدان من النفس فإن كل أحد إنما يخبر عما يجده من نفسه والذي وجدته من النفس والعقل ما ذكرته والله أعلم . المسألة الثالثة : في بيان ما بقي من المشكلات في هذه الآية ونذكرها في معرض السؤال والجواب . السؤال الأول : كيف تركيب لفظ القشعريرة الجواب : قال صاحب " الكشاف " تركيبه من حروف التقشع وهو الأديم اليابس مضموماً إليها حرف رابع وهو الراء ليكون رباعياً ودالاً على معنى زائد يقال : اقشعر جلده من الخوف وقف شعره ، وذلك مثل في شدة الخوف . السؤال الثاني : كيف قال : * ( تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) * وما الوجه في تعديه