فخر الدين الرازي

274

تفسير الرازي

بحرف إلى ؟ والجواب : التقدير تلين جلودهم وقلوبهم حال وصولها إلى حضرة الله وهو لا يحس بالإدراك . السؤال الثالث : لم قال إلى ذكر الله ولم يقل إلى ذكر رحمة الله ؟ والجواب : أن من أحب الله لأجل رحمته فهو ما أحب الله ، وإنما أحب شيئاً غيره ، وأما من أحب الله لا لشيء سواه فهذا هو المحب المحق وهو الدرجة العالية ، فلهذا السبب لم يقل ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر رحمة الله بل قال إلى ذكر الله ، وقد بين الله تعالى هذا المعنى في قوله تعالى : * ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) * ( الأنعام : 125 ) وفي قوله : * ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) * ( الرعد : 28 ) وأيضاً قال لأمة موسى : * ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) * ( البقرة : 40 ) وقال أيضاً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم : * ( فاذكروني أذكركم ) * ( البقرة : 152 ) . السؤال الرابع : لم قال في جانب الخوف قشعريرة الجلود فقط ، وفي جانب الرجاء لين الجلود والقلوب معاً ؟ والجواب : لأن المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف ، لأن الخير مطلوب بالذات والشر مطلوب بالعرض ومحل المكاشفات هو القلوب والأرواح والله أعلم . ثم إنه تعالى لما وصف القرآن بهذه الصفات قال : * ( ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد ) * فقوله : * ( ذلك ) * إشارة إلى الكتاب وهو هدى الله يهدي به من يشاء من عباده وهو الذي شرح صدره أولاً لقبول هذه الهداية * ( ومن يضلل الله ) * أي من جعل قلبه قاسياً مظلماً بليد الفهم منافياً لقبول هذه الهداية * ( فما له من هاد ) * واستدلال أصحابنا بهذه الآية وسؤالات المعتزلة وجوابات أصحابنا عين ما تقدم في قوله : * ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) * ( الأنعام : 125 ) . أما قوله تعالى : * ( أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة ) * فاعلم أنه تعالى حكم على القاسية قلوبهم بحكم في الدنيا وبحكم في الآخرة ، أما حكمهم في الدنيا فهو الضلال التام كما قال : * ( ومن يضلل الله فما له من هاد ) * ( الرعد : 33 ) وأما حكمهم في الآخرة فهو العذاب الشديد وهو المراد من قوله : * ( أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة ) * وتقريره أن أشرف الأعضاء هو الوجه لأنه محل الحسن والصباحة ، وهو أيضاً صومعة الحواس ، وإنما يتميز بعض الناس عن بعض بسبب الوجه ، وأثر السعادة والشقاوة لا يظهر إلا في الوجه قال تعالى : * ( وجوه يومئذٍ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذٍ عليها غبرة * ترهقها قترة * أولئك هم الكفرة الفجرة ) * ( عبس : 38 - 42 ) ويقال لمقدم القوم يا وجه العرب ، ويقال للطريق الدال على كنه حال الشيء وجه كذا هو كذا ، فثبت بما ذكرنا أن أشرف الأعضاء هو الوجه ، فإذا وقع الإنسان في نوع من أنواع العذاب فإنه يجعل يده وقاية لوجهه وفداءً له ، وإذا عرفت هذا فنقول : إذا كان القادر على الاتقاء يجعل كل ما سوى الوجه فداء للوجه لا جرم حسن جعل الاتقاء بالوجه كناية عن العجز عن الاتقاء ، ونظيره قول النابغة :