فخر الدين الرازي
250
تفسير الرازي
الزجر ، وأن يعرفه قلة تمتعه في الدنيا ، ثم يكون مصيره إلى النار . ولما شرح الله تعالى صفات المشركين والضالين ، ثم تمسكهم بغير الله تعالى أردفه بشرح أحوال المحقين الذين لا رجوع لهم إلا الله ولا اعتماد لهم إلا على فضل الله ، فقال : * ( أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وحمزة * ( أمن ) * مخففة الميم والباقون بالتشديد ، أما التخفيف ففيه وجهان الأول : أن الألف ألف الاستفهام داخلة على من ، والجواب محذوف على تقدير كمن ليس كذلك ، وقيل كالذي جعل لله أنداداً فاكتفى بما سبق ذكره والثاني : أن يكون ألف نداء كأنه قيل يا من هو قانت من أهل الجنة ، وأما التشديد فقال الفراء الأصل أم من فأدغمت الميم في الميم وعلى هذا القول هي أم التي في قولك أزيد أفضل أم عمرو . المسألة الثانية : القانت القائم بما يجب عليه من الطاعة ، ومنه قوله : " أفضل الصلاة صلاة القنوت " وهو القيام فيها . ومنه القنوت في الصبح لأنه يدعو قائماً . عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام وتلا * ( أمن هو قانت ) * وعن ابن عباس القنوت طاعة الله ، لقوله : * ( كل له قانتون ) * ( البقرة : 116 ) أي مطيعون ، وعن قتادة * ( آناء الليل ) * ساعات الليل أوله ووسطه وآخره ، وفي هذه اللفظة تنبيه على فضل قيام الليل وأنه أرجح من قيام النهار ، ويؤكده وجوه الأول : أن عبادة الليل أستر عن العيون فتكون أبعد عن الرياء الثاني : أن الظلمة تمنع من الإبصار ونوم الخلق يمنع من السماع ، فإذا صار القلب فارغاً عن الاشتغال بالأحوال الخارجية عاد إلى المطلوب الأصلي ، وهو معرفة الله وخدمته الثالث : أن الليل وقت النوم فتركه يكون أشق فيكون الثواب أكثر الرابع : قوله تعالى : * ( إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلا ) * ( المزمل : 6 ) وقوله : * ( ساجداً ) * حال ، وقرئ ساجد وقائم على أنه خبر عبد خبر الواو للجميع بين الصفتين . واعلم أن هذه الآية دالة على أسرار عجيبة ، فأولها أنه بدأ فيها بذكر العلم وختم فيها بذكر العلم ، أما العمل فكونه قانتاً ساجداً قائماً ، وأما العلم فقوله : * ( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) * وهذا يدل على أن كمال الإنسان محصور في هذين المقصودين ، فالعمل هو البداية والعلم والمكاشفة هو النهاية . الفائدة الثانية : أنه تعالى نبه على أن الانتفاع بالعمل إنما يحصل إذا كان الإنسان مواظباً عليه ، فإن القنوت عبارة عن كون الرجل قائماً بما يجب عليه من الطاعات ، وذلك يدل على أن العلم إنما يفيد إذا واظب عليه الإنسان ، وقوله : * ( ساجداً وقائماً ) * إشارة إلى أصناف الأعمال وقوله : * ( يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ) * إشارة إلى أن الإنسان عند المواظبة ينكشف له في الأول مقام القهر وهو قوله : * ( يحذر الآخرة ) * ثم بعده مقام الرحمة وهو قوله : * ( ويرجو رحمة ربه ) * ثم يحصل أنواع المكاشفات وهو المراد بقوله : * ( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) * .