فخر الدين الرازي

251

تفسير الرازي

الفائدة الثالثة : أنه قال في مقام الخوف * ( يحذر الآخرة ) * فما أضاف الحذر إلى نفسه ، وفي مقام الرجاء أضافه إلى نفسه ، وهذا يدل على أن جانب الرجاء أكمل وأليق بحضرة الله تعالى . المسألة الثالثة : قيل المراد من قوله : * ( أمن هو قانت آناء الليل ) * عثمان لأنه كان يحيي الليل في ركعة واحدة ويقرأ القرآن في ركعة واحدة ، والصحيح أن المراد منه كل من كان موصوفاً بهذه الصفة فيدخل فيه عثمان وغيره لأن الآية غير مقتصرة عليه . المسألة الرابعة : لا شبهة في أن في الكلام حذفاً ، والتقدير أمن هو قانت كغيره ، وإما حسن هذا الحذف لدلالة الكلام عليه ، لأنه تعالى ذكر قبل هذه الآية الكافر وذكر بعدها : * ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) * وتقدير الآية قل هل يستوي الذين يعلمون وهم الذين صفتهم أنهم يقنتون آناء الليل سجداً وقياماً ، والذين لا يعلمون وهم الذين وصفهم عند البلاء والخوف يوحدون وعند الراحة والفراغة يشركون ، فإذا قدرنا هذا التقدير ظهر المراد وإنما وصف الله الكفار بأنهم لا يعلمون ، لأنهم وإن آتاهم الله العلم إلا أنهم أعرضوا عن تحصيل العلم ، فلهذا السبب جعلهم كأنهم ليسوا أولي الألباب من حيث إنهم لم ينتفعوا بعقولهم وقلوبهم . وأما قوله تعالى : * ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) * فهو تنبيه عظيم على فضيلة العلم ، وقد بالغنا في تقرير هذا المعنى في تفسير قوله تعالى : * ( وعلم آدم الأسماء كلها ) * ( البقرة : 31 ) قال صاحب " الكشاف " أراد بالذين يعلمون الذين سبق ذكرهم وهم القانتون ، وبالذين لا يعلمون الذين لا يأتون بهذا العمل كأنه جعل القانتين هم العلماء ، وهو تنبيه على أن من يعمل فهو غير عالم ، ثم قال وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون ، ويفتنون فيها ثم يفتنون بالدنيا فهم عند الله جهلة . ثم قال تعالى : * ( إنما يتذكر أولوا الألباب ) * يعني هذا التفاوت العظيم الحاصل بين العلماء والجهال لا يعرفه أيضاً إلا أولوا الألباب ، قيل لبعض العلماء : إنكم تقولون العلم أفضل من المال ثم نرى العلماء يجتمعون عند أبواب الملوك ، ولا نرى الملوك مجتمعين عند أبواب العلماء ، فأجاب العالم بأن هذا أيضاً يدل على فضيلة العلم لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه ، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فلا جرم تركوه . قوله تعالى * ( قُلْ ياعِبَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * قُلْ إِنِّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً