فخر الدين الرازي

222

تفسير الرازي

في الدنيا أولاً ، ثم مع الذين كانوا أعداء لهم في الدنيا ثانياً أما الأول : فهو قوله : * ( هذا فوج مقتحم معكم ) * واعلم أن هذا حكاية كلام رؤساء أهل النار يقوله بعضهم لبعض بدليل أن ما حكى بعد هذا من أقوال الأتباع وهو قوله : * ( قالوا بل أنتم لا مرحباً بكم أنتم قدمتموه لنا ) * ، وقيل إن قوله : * ( هذا فوج مقتحم معكم ) * كلام الخزنة لرؤساء الكفرة في أتباعهم ، وقوله : * ( لا مرحباً بهم إنهم صالوا النار ) * كلام الرؤساء ، وقوله : * ( هذا فوج مقتحم معكم ) * أي هذا جمع كثيف قد اقتحم معكم النار كما كانوا قد اقتحموا معكم في الجهل والضلال ، ومعنى اقتحم معكم النار أي دخل النار في صحبتكم ، والاقتحام ركوب الشدة والدخول فيها ، والقحمة الشدة . وقوله تعالى : * ( لا مرحباً بهم ) * دعاء منهم على أتباعهم ، يقول الرجل لمن يدعو له مرحباً أي أتيت رحباً في البلاد لا ضيقاً أو رحبت بلادك رحباً ، ثم يدخل عليه كلمة لا في دعاء السوء ، وقوله : * ( بهم ) * بيان للمدعو عليهم أنهم صالوا النار تعليل لاستيجابهم الدعاء عليهم ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : * ( كلما دخلت أمة لعنت أختها ) * ( الأعراف : 38 ) قالوا أي الأتباع * ( بل أنتم لا مرحباً بكم ) * يريدون أن الدعاء الذي دعوتم به علينا أيها الرؤساء أنتم أحق به ، وعللوا ذلك بقولهم : * ( أنتم قدمتموه لنا ) * والضمير للعذاب أو لصليهم ، فإن قيل ما معنى تقديمهم العذاب لهم ؟ قلنا الذي أوجب التقديم هو عمل السوء قال تعالى : * ( ذوقوا عذاب الحريق * ذلك بما قدمت أيديكم ) * ( آل عمران : 181 ، 182 ) إلا أن الرؤساء لما كانوا هم السبب فيه بإغوائهم وكان العذاب جزاءهم عليه قيل أنتم قدمتموه لنا فجعل الرؤساء هم المقدمين وجعل الجزاء هو المقدم ، والضمير في قوله : * ( قدمتموه ) * كناية عن الطغيان الذي دل عليه قوله : * ( وإن للطاغين شر مآب ) * وقوله : * ( فبئس القرار ) * أي : بئس المستقر والمسكن جهنم ، ثم قالت الأتباع * ( ربنا من قدم لنا هذا فزده عذاباً ضعفاً ) * أي مضاعفاً ومعناه ذا ضعف ونظيره قوله تعالى : * ( ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً ) * ( الأعراف : 38 ) وكذلك قوله تعالى : * ( ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب ) * ( الأحزاب : 67 ، 68 ) فإن قيل كل مقدار يفرض من العذاب فإن كان بقدر الاستحقاق لم يكن مضاعفاً ، وإن كان زائداً عليه كان ظالماً وإنه لا يجوز . قلنا المراد منه قوله عليه السلام : " ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " والمعنى أنه يكون أحد القسمين عذاب الضلال ، والثاني عذاب الإضلال والله أعلم . وهذا آخر شرح أحوال الكفار مع الذين كانوا أحباباً لهم في الدنيا ، وأما شرح أحوالهم مع الذين كانوا أعداء لهم في الدنيا فهو قوله : * ( وقالوا ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار ) * يعني أن الكفار إذا نظروا إلى جوانب جهنم فيحنئذ يقولون : * ( ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار ) * يعنون فقراء المسلمين الذين لا يؤبه بهم وسموهم من الأشرار ، إما بمعنى الأراذل الذين لا خير فيهم ولا جدوى ، أو لأنهم كانوا على خلاف دينهم فكانوا عندهم أشراراً ثم قالوا : * ( اتخذناهم سخرياً ) * وفيه مسائل :