فخر الدين الرازي
221
تفسير الرازي
* ( إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى ) * ( العلق : 6 ، 7 ) وهذا يدل على أن الوصف بالطغيان قد يحصل في حق صاحب الكبيرة ، ولأن كل من تجاوز عن تكاليف الله تعالى وتعداها فقد طغى ، ذا عرفت هذا فنقول : قال ابن عباس رضي الله عنهما ، المعنى أن الذين طغوا وكذبوا رسلي لهم شر مآب ، أي شر مرجع ومصير ، ثم قال : * ( جهنم يصلونها ) * والمعنى أنه تعالى لما حكم بأن الطاغين لهم شر مآب فسره بقوله : * ( جهنم يصلونها ) * ثم قال : * ( فبئس المهاد ) * وهو كقوله : * ( لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ) * ( الأعراف : 41 ) شبه الله ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفترشه النائم . ثم قال تعالى : * ( هذا فليذوقوه حميم وغساق ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : فيه وجهان الأول : أنه على التقديم والتأخير ، والتقدير هذا حميم وغساق فليذوقوه الثاني : أن يكون التقدير جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه ، ثم يبتدئ فيقول : حميم وغساق . المسألة الثانية : الغساق بالتخفيف والتشديد فيه وجوه الأول : أنه الذي يغسق من صديد أهل النار ، يقال : غسقت العين إذا سال دمعها . وقال ابن عمر هو القيح الذي يسيل منهم يجتمع فيسقونه الثاني : قيل الحميم يحرق بحره ، والغساق يحرق ببرده ، وذكر الأزهري : أن الغاسق البارد ، ولهذا قيل لليل غاسق لأنه أبرد من النهار الثالث : أن الغساق المنتن حكى الزجاج لو قطرت منه قطرة في المشرق لأنتنت أهل المغرب ، ولو قطرت منه قطرة في المغرب لأنتنت أهل المشرق الرابع : قال كعب : الغساق عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذات حمة من عقرب وحية . المسألة الثالثة : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم غساق بتشديد السين حيث كان والباقون بالتخفيف . قال أبو علي الفارسي الاختيار التخفيف لأنه إذا شدد لم يخل من أن يكون اسماً أو صفة ، فإن كان اسماً فالأسماء لم تجيء على هذا الوزن إلا قليلاً ، وإن كان صفة فقد أقيم مقام الموصوف والأصل أن لا يجوز ذلك . ثم قال تعالى : * ( وآخر من شكله أزواج ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ أبو عمر * ( وأخر ) * بضم الألف على جمع أخرى أي أصناف أخر من العذاب ، وهو قراءة مجاهد والباقون آخر على الواحد أي عذاب آخر ، أما على قراءة الأولى فقوله وأخر أي ومذوقات أخر من شكل هذا المذوق ، أي من مثله في الشدة والفظاعة ، أزواج أي أجناس ، وأما على القراءة الثانية فالتقدير وعذاب أو مذوق آخر ، وأزواج صفة لآخر لأنه يجوز أن يكون ضروباً أو صفة للثلاثة وهم حميم وغساق وآخر من شكله . قال صاحب " الكشاف " : وقرئ من شكله بالكسر وهي لغة ، وأما الغنج فبالكسر لا غير . واعلم أنه تعالى لما وصف مسكن الطاغين ومأكولهم حكى أحوالهم الذين كانوا أحباء لهم