فخر الدين الرازي
203
تفسير الرازي
الطريق ، ولما ذكر الله تعالى هذه الطريقة الدقيقة في الإلزام في القرآن ، لا جرم وصف القرآن بالكمال والفضل ، فقال : * ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكروا أولوا الألباب ) * فإن من لم يتدبر ولم يتأمل ولم يساعده التوفيق الإلهي لم يقف على هذه الأسرار العجيبة المذكورة في هذا القرآن العظيم ، حيث يراه في ظاهر الحال مقروناً بسوء الترتيب ، وهو في الحقيقة مشتمل على أكمل جهات الترتيب ، فهذا ما حضرنا في تفسير هذه الآيات ، وبالله التوفيق . قوله تعالى * ( وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَ انَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِىِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِى حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَىَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالاَْعْنَاقِ ) * واعلم أن هذا هو القصة الثانية وقوله : * ( نعم العبد ) * فيه مباحث : الأول : نقول المخصوص بالمدح في * ( نعم العبد ) * محذوف ، فقيل هو سليمان ، وقيل داود ، والأول أولى لأنه أقرب المذكورين ، ولأنه قال بعده * ( إنه أواب ) * ولا يجوز أن يكون المراد هو داود ، لأن وصفه بهذا المعنى قد تقدم في الآية المتقدمة حيث قال : * ( واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب ) * ( ص : 17 ) فلو قلنا لفظ الأواب ههنا أيضاً صفة داود لزم التكرار ، ولو قلنا إنه صفة لسليمان لزم كون الابن شبيهاً لأبيه في صفات الكمال في الفضيلة ، فكان هذا أولى . الثاني : أنه قال أولاً * ( نعم العبد ) * ثم قال بعده * ( إنه أواب ) * وهذه الكلمة للتعليل ، فهذا يدل على أنه إنما كان * ( نعم العبد ) * لأنه كان أواباً ، فيلزم أن كل من كان كثير الرجوع إلى الله تعالى في أكثر الأوقات وفي أكثر المهمات كان موصوفاً بأنه * ( نعم العبد ) * وهذا هو الحق الذي لا شبهة فيه ، لأن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ، ورأس المعارف ورئيسها معرفة الله تعالى ، ورأس الطاعات ورئيسها الاعتراف بأنه لا يتم شيء من الخيرات إلا بإعانة الله تعالى ، ومن كان كذلك كان كثير الرجوع إلى الله تعالى فكان أواباً ، فثبت أن كل من كان أواباً وجب أن يكون * ( نعم العبد ) * . أما قوله : * ( إذ عرض عليه ) * ففيه وجوه الأول : التقدير * ( نعم العبد ) * هو إذ كان من أعماله أنه فعل كذا الثاني : أنه ابتداء كلام . والتقدير أذكر يا محمد إذ عرض عليه كذا وكذا ، والعشي