فخر الدين الرازي
204
تفسير الرازي
هو من حين العصر إلى آخر النهار عرض الخيل عليه لينظر إليها ويقف على كيفية أحوالها ، والصافنات الجياد الخيل وصفت بوصفين أولهما : الصافنات ، قال صاحب " الصحاح " : الصافن الذي يصفن قدميه ، وفي الحديث " كنا إذا صلينا خلفه فرفع رأسه من الركوع قمنا صفونا " أي قمنا صافنين أقدامنا ، وأقول على كلا التقديرين فالصفون صفة دالة على فضيلة الفرس والصفة الثانية : للخيل في هذه الآية الجياد ، قال المبرد : والجياد جمع جواد وهو الشديد الجري ، كما أن الجواد من الناس هو السريع البذل ، فالمقصود وصفها بالفضيلة والكمال حالتي وقوفها وحركتها . أما حال وقوفها فوصفها بالصفون ، وأما حال حركتها فوصفها بالجودة ، يعني أنها إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها على أحسن الأشكال ، فإذا جرت كانت سراعاً في جريها ، فإذا طلبت لحقت ، وإذا طلبت لم تلحق ، ثم قال تعالى : * ( فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي ) * وفي تفسير هذه اللفظة وجوه الأول : أن يضمن أحببت معنى فعل يتعدى بعن ، كأنه قيل أنبت حب الخير عن ذكر ربي والثاني : أن أحببت بمعنى ألزمت ، والمعنى أني ألزمت حب الخيل عن ذكر ربي ، أي عن كتاب ربي وهو التوراة ، لأن ارتباط الخيل كما أنه في القرآن ممدوح فكذلك في التوراة ممدوح والثالث : أن الإنسان قد يحب شيئاً لكنه يحب أن لا يحبه كالمريض الذي يشتهي ما يزيد في مرضه ، والأب الذي يحب ولده الردئ ، وأما من أحب شيئاً ، وأحب أن يحبه كان ذلك غاية المحبة فقوله أحببت حب الخير بمعنى أحببت حبي لهذه الخيل . ثم قال : * ( عن ذكر ربي ) * بمعنى أن هذه المحبة الشديدة إنما حصلت عن ذكر الله وأمره لا عن الشهوة والهوى ، وهذا الوجه أظهر الوجوه . ثم قال تعالى : * ( حتى توارت ) * أقول الضمير في قوله : * ( حتى توارت ) * ، وفي قوله : * ( ردوها ) * يحتمل أن يكون كل واحد منهما عائداً إلى الشمس ، لأنه جرى ذلك ماله تعلق بها وهو العشي ويحتمل أن يكون كل واحد منهما عائداً إلى الصافنات ، ويحتمل أن يكون الأول متعلقاً بالشمس والثاني بالصافنات ، ويحتمل أن يكون بالعكس من ذلك ، فهذه احتمالات أربعة لا مزيد عليها فالأول : أن يعود الضميران معاني إلى الصافنات ، كأنه قال حتى توارت الصافنات بالحجاب ردوا الصافنات علي ، والاحتمال الثاني : أن يكون الضميران معاً عائدين إلى الشمس كأنه قال حتى توارت الشمس بالحجاب ردوا الشمس ، وروي أنه صلى الله عليه وسلم لما اشتغل بالخيل فاتته صلاة العصر ، فسأل الله أن يرد الشمس فقوله : * ( ردوها على ) * إشارة إلى طلب رد الشمس ، وهذا الاحتمال عندي بعيد والذي يدل عليه وجوه الأول : أن الصافنات مذكورة تصريحاً ، والشمس غير مذكورة وعود الضمير إلى المذكور أولى من عوده إلى المقدر الثاني : أنه قال : * ( إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ) * وظاهر هذا اللفظ يدل على أن سليمان عليه السلام كان يقول إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي . وكان يعيد هذه الكلمات إلى أن