فخر الدين الرازي

198

تفسير الرازي

فقال : يا داود أنت أحق أن نضرب منك هذا وهذا ، وأنت فعلت كيت وكيت ، ثم نظر داود فلم ير أحداً فعرف الحال ، فإن قيل كيف جاز لداود أن يحكم على أحد الخصمين بمجرد قول خصمه ؟ قلنا ذكروا فيه وجوهاً الأول : قال محمد بن إسحاق : فما فرغ الخصم الأول من كلامه نظر داود إلى الخصم الذي لم يتكلم وقال لئن صدق لقد ظلمته ، والحاصل أن هذا الحكم كان مشروطاً بشرط كونه صادقاً في دعواه والثاني : قال ابن الأنباري : لما ادعى أحد الخصمين اعترف الثاني فحكم داود عليه السلام ولم يذكر الله تعالى ذلك الاعتراف لدلالة ظاهر الكلام عليه ، كما تقول أمرتك بالتجارة فكسبت تريد اتجرت فكسبت ، وقال تعالى : * ( أن اضرب بعصاك البحر فانفلق ) * ( الشعراء : 63 ) أي فضرب فانفلق ، والثالث : أن يكون التقدير أن الخصم الذي هذا شأنه يكون قد ظلمك . ثم قال تعالى : * ( وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض ) * قال : الليث خليط الرجل مخالطه ، وقال الزجاج : الخلطاء الشركاء ، فإن قيل لم خص داود الخلطاء يبغي بعضهم على بعض مع أن غير الخلطاء قذ يفعلون ذلك ، والجواب لا شك أن المخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة ، وذلك لأنهما إذا اختلطا اطلع كل واحد منهما على أخوال الآخر فكل ما يملكه من الأشياء النفيسة إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه ، فيفضي ذلك إلى زيادة المخاصمة والمنازعة ، فلهذا السبب خص داود عليه السلام الخلطاء بزيادة البغي والعدوان ، ثم استثنى عن هذا الحكم الذي آمنوا وعلموا الصالحات لأن مخالطة هؤلاء لا تكون إلا لأجل الدين وطلب السعادات الروحانية الحقيقية ، فلا جرم مخالطتهم لا توجب المنازعة ، وأما الذين تكون مخالطتهم لأجل حب الدنيا لا بد وأن تصير مخالطتهم سبباً لمزيد البغي والعدوان ، واعلم أن هذا الاستثناء يدل على أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يبغي بعضهم على بعض ، فلو كان داود عليه السلام قد بغى وتعدى على ذلك الرجل لزم بحكم فتوى داود أن لا يكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ومعلوم أن ذلك باطل ، فثبت أن قول من يقول المراد من واقعة النعجة قصة داود قوله باطل . ثم قال تعالى : * ( وقيل ما هم ) * واعلم أن الحكم بقلة أهل الخير كثير في القرآن ، قال تعالى : * ( وقليل من عبادي الشكور ) * ( سبأ : 13 ) وقال داود عليه السلام في هذا الموضع * ( وقليل ما هم ) * وحكى تعالى عن إبليس أنه قال : * ( ولا تجد أكثرهم شاكرين ) * ( الأعراف : 17 ) وسبب القلة أن الدواعي إلى الدنيا كثيرة ، وهي الحواس الباطنة والظاهرة وهي عشرة والشهود والغضب والقوى الطبيعية السبعة فالمجموع تسعة عشر واقفون على باب جهنم البدن ، وكلها تدعو إلى الخلق والدنيا واللذة الحسية ، وأما الداعي إلى الق والدين فليس إلا العقل واستيلاء القوة الحسية والطبيعية على الخلق أكثر من القوة العقلية فيهم ، فلهذا السبب وقعت القلة في جانب أهل الخير والكثرة في جانب أهل الشر ، قال صاحب " الكشاف " وما في قوله : * ( وقيل ما هم ) * للإبهام وفيه تعجب من قلتهم ، قال وإذا أردت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها من قول امرئ القيس ؛ وحديث ما على قصره ؟ ؟ ؟ وانظر هل بقي له معنى قط . ثم قال تعالى : * ( وظن داود أنما فتناه ) * قالوا معناه وعلم داود أنما فتناه أي امتحناه ، قالوا