فخر الدين الرازي
199
تفسير الرازي
والسبب الذي أوجب حمل لفظ الظن على العلم ههنا أن داود عليه السلام لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك ، ثم صعد إلى السماء قبل وجهه ، فعلم داود أن الله ابتلاه بذلك فثبت أن داود علم ذلك وإنما جاز حمل لفظ الظن على العلم لأن العلم الاستدلالي يشبه الظن مشابهة عظيمة ، والمشابهة علة لجواز المجاز ، وأقول هذا الكلام إنما يلزم إذا قلنا الخصمان كانا ملكين أما إذا لم نقل ذلك لا يلزمنا حمل الظن على العلم ، بل لقائل أن يقول إنه لما غلب على ظنه حصول الابتلاء من الله تعالى اشتغل بالاستغفار والإنابة . أما قوله : * ( فاستغفر ربه ) * أي سأل الغفران من ربه ، ثم ههنا وجهان إن قلنا بأنه قد صدرت زلة منه ، حملنا هذا الاستغفار عليها ، وإن لم نقل به قلنا فيه وجوه الأول : أن القوم لما دخلوا عليه قاصدين قتله ، وإنه كان سلطاناً شديد القهر عظيم القوة ، ثم أنه مع أنه مع القدرة الشديدة على الانتقام ومع حصول الفزع في قلبه عفا عنهم ولم يقل لهم شيئاً قرب الأمر من أن يدخل في قلبه شيء من العجب ، فاستغفر ربه عن تلك الحالة وأناب إلى الله ، واعترف بأن إقدامه على ذلك الخير ما كان إلا بتوفيق الله ، فغفر الله له وتجاوز عنه بسبب طريان ذلك الخاطر الثاني : لعله هم بإيذاء القوم ، ثم قال : إنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم ثم استغفر عن ذلك الهم الثالث : لعل القوم تابوا إلى الله وطلبوا منه أن يستغفر الله لهم لأجل أن يقبل توبتهم فاستغفر وتضرع إلى الله ، فغفر الله ذنوبهم بسبب شفاعته ودعائه ، وكل هذه الوجوه محتملة ظاهرة ، والقرآن مملوء من أمثال هذه الوجوه وإذا كان اللفظ محتملاً لما ذكرناه ولم يقم دليل قطعي ولا ظني على التزام المنكرات التي يذكرونها ، فما الذي يحملنا على التزامها والقول بها ، والذي يؤكد أن الذي ذكرناه أقرب وأقوى أن يقال ختم الله هذه القصة بقوله : * ( وإن له عندنا الزلفى وحسن مآب ) * ومثل هذه الخاتمة إنما تحسن من حق من صدر منه عمل كثير في الخدمة والطاعة ، وتحمل أنواعاً من الشدائد في الموافقة والانقياد ، أما إذا كان المذكور السابق هو القادم على الجرم والذنب فإن مثل هذه الخاتمة لا تليق به ، قال مالك بن دينار ؛ إذا كان يوم القيامة أتى بمنبر رفيع ويوضع في الجنة ، ويقال يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا والله أعلم ، بقي ههنا مباحث فالأول : قرىء فتناه وفتناه على أن الألف ضمير الملكين الثاني : المشهور أن الاستغفار إنما كان بسبب قصة النعجة والنعاج ، وقيل أيضاً إنما كان بسبب أنه حكم لأحد الخصمين قبل أن سمع كلام الثاني وذلك غير جائز الثالث : قوله ؛ * ( خر راكعاً وأناب ) * يدل على حصول الركوع ، وأما السجود فقد ثبت بالأخبار وكذلك البكاء الشديد في مدة أربعين يوماً ثبت بالأخبار الرابع : أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن هذا الموضع ليس فيه سجدة التلاوة قال لأن توبة نبي فلا توجب سجدة التلاوة الخامس : استشهد أبو خنيفة رضي الله عنه بهذه الآية في سجود التلاوة على أن الركوع يقوم مقام السجود . * ( يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الاَْرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ * وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالاَْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِى الاَْرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ * كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُواْ ءَايَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو الاَْلْبَابِ ) * اعلم أنه تعالى لما تمم الكلام في شرح القصة أردفها ببيان أنه تعالى فوض إلى داود خلافة الأرض ، وهذا من أقوى الدلائل على فساد القول المشهور في تلك القصة ، لأن من البعيد جداً أن يوصف الرجل بكونه ساعياً في سفك دماء المسلمين ، راغباً في انتزاع أزواجهم منهم ثم يذكر عقيبه أن الله تعالى فوض خلافة الأرض إليه ، ثم نقول في تفسير كونه خليفة وجهان الأول : جعلناك تخلف من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى ، وفي سياسة الناس لأن خليفة الرجل من يخلفه ، وذلك إنما يعقل في حق من يصح عليه الغيبة ، وذلك على الله مجال الثاني : إنا جعلناك مالكاً للناس ونافذ الحكم فيهم فبهذا التأويل يسمى خليفة ، ومنه يقال خلفاء الله في أرضه ، وحاصله أن خليفة الرجل يكون نافذ الحكم في رعيته وحقيقة الخلافة ممتنعة في حق الله ، فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة مفيدة اللزوم في تلك الحقيقة وهو نفاذ الحكم . ثم قال تعالى : * ( فاحكم بين الناس بالحق ) * واعلم أن الإنسان خلق مدنياً بالطبع ، لأن الإنسان الواحد لا ينتظم مصالحه إلا عند وجود مدينة تامة حتى أن هذا يحرث ، وذلك يطحن ، وذلك يخبز ، وذلك ينسج ، وهذا يخيط ، وبالجملة فيكون كل واحدة منهم مشغولاً بمهم ، وينتظم من