فخر الدين الرازي
195
تفسير الرازي
أربعة مواضع أحدهما : قوله تعالى : * ( إذ تسوروا المحراب ) * ( ص : 21 ) ، وثانيها : قوله : * ( إذ دخلوا ) * ، وثالثها : قوله : * ( منهم ) * ، ورابعها : قوله : * ( قالوا لا تخف ) * فهذه الألفاظ الأربعة لها صيغ الجمع ، وهم كانوا اثنين بدليل أنهم قالوا خصمان ، قالوا فهذه الآية تدل على أن أقل اسماً فإنه لا يثنى ولا يجمع ، ثم قال تعالى : * ( إذ دخلوا على داود ) * والفائدة فيه أنهم ربما تسوروا المحراب وما دخلوا عليه ، فلما قال : * ( إذ دخلوا عليه ) * دل على أنهم بعد التسور دخلوا عليه ، قال الفراء : وقد يجاء بإذ مرتين ويكون معناهما كالواحد ، كقولك ضربتك إذ دخلت علي إذ اجترأت ، مع أنه يكون وقت الدخول ووقت الاجتراء واحداً ، ثم قال تعالى : * ( ففزع منهم ) * والسبب أن داود عليه السلام لما رآهما قد دخلوا عليه لا من الطريق المعتاد ، علم أنهم إنما دخلوا عليه للشر ، فلا جرم فزع منهم ، ثم قال تعالى : * ( قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : خصمان خبر مبتدأ محذوف ، أي نحن خصمان . المسألة الثانية : ههنا قولان الأول : أنهما كانا ملكين نزلا من السماء وأراد تنبيه داود عليه السلام على قبح العمل الذي أقدم عليه والثاني : أنهما كانا إنسانين دخلا عليه للشر والقتل ، فظنا أنهما يجدانه خالياً ، فلما رأيا عنده جماعة من الخدم اختلقا ذلك الكذب لدفع الشر ، وأما المنكرون لكونهما ملكين فقد احتجوا عليه بأنهما لو كانا ملكين لكانا كاذبين في قولهما * ( خصمان ) * فإنه ليس بين الملائكة خصومة ، ولكانا كاذبين في قولهما : * ( بغى بعضنا على بعض ) * ولكانا كاذبين في قولهما : * ( إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ) * فثبت أنهما لو كانا ملكين كاذبين والكذب على الملك غير جائز لقوله تعالى : * ( لا يسبقونه بالقول ) * ( الأنبياء : 27 ) ولقوله : * ( ويفعلون ما يؤمرون ) * ( النخل : 50 ) أجاب الذاهبون إلى القول الأول عن هذا الكلام بأن قالوا إن الملكين إنما ذكرا هذا الكلام على سبيل ضرب المثل لا على سبيل التحقيق فلم يلزم الكذب ، وأجيب عن هذا الجواب بأن ما ذكرتم يقتضي العدول عن ظاهر اللفظ ، ومعلوم أنه على خلاف الأصل ، أما إذا حملنا الكلام على أن الخصمين كانا رجلين دخلا عليه لغرض الشر ثم وضعا هذا الحديث الباطل ، فحينئذٍ لزم إسناد الكذب إلى شخصين فاسقين فكان هذا أولى من القول الأول والله أعلم ، وأما القائلون بكونهما ملكين فقد احتجا بوجوه الأول : اتفاق أكثر المفسرين عليه والثاني : أنه أرفع منزلة من أن يتسور عليه آحاد الرعية في حال تعبده فيجب أن يكون ذلك من الملائكة الثالث : أن قوله تعالى : * ( قالوا لا تخف ) * كالدلالة على كونهما ملكين لأن من هو من رعيته لا يكاد يقول له مثل ذلك مع رفعة منزلته الرابع : أن قولهما : * ( ولا تشطط ) * كالدلالة على كونهما ملكين لأن أحداً من رعيته لا يتجاسر أن يقول له تظلم ولا تتجاوز عن الحق ، واعلم أن ضعف هذه الدلائل ظاهر ، ولا حاجة إلى الجواب ، والله أعلم . المسألة الثالثة : * ( بغى بعضنا على بعض ) * أي تعدى وخرج عن الحد يقال بغى الجرح