فخر الدين الرازي

196

تفسير الرازي

إذا أفرط وجعه وانتهى إلى الغاية ، وقال بغت المرأة إذا زنت ، لأن الزنا كبيرة منكرة ، قال تعالى : * ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ) * ( النور : 33 ) ثم قال : * ( فاحكم بيننا بالحق ) * معنى الحكم إحكام الأمر في إمضاء تكليف الله عليهما في الواقعة ، ومنه حكمة الدابة لأنها تمنع من الجماح ، ومنه بناء محكم إذا كان قوياً ، وقوله : * ( بالحق ) * أي بالحكم الحق وهو الذي حكم الله به * ( ولا تشطط ) * يقال شط الرجل إذا بعد ، ومنه قوله : شطت الدار إذا بعدت ، قال تعالى : * ( لقد قلنا إذاً شططاً ) * ( الكهف : 14 ) أي قولاً بعيداً عن الحق ، فقوله : * ( ولا تشطط ) * أي لا تبعد في هذا الحكم عن الحق ، ثم قال : * ( واهدنا إلى سواء الصراط ) * وسواء الصراط هو وسطه ، قال تعالى : * ( فاطلع فرآه في سواء الجحيم ) * ( الصافات : 55 ) ووسط الشيء أفضله وأعدله ، قال تعالى : * ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ) * ( البقرة : 143 ) وأقول إنهم عبروا عن المقصود الواحد بثلاث عبارات أولها : قولهم فاحكم بالحق وثانيها : قولهم : * ( ولا تشطط ) * وهي نهي عن الباطل وثالثها : قولهم : * ( واهدنا إلى سواء الصراط ) * يعنى يجب أن يكون سعيك في إيجاد هذا الحق . وفي الاحتراز عن هذا الباطل أن تردنا من الطريق الباطل إلى الطريق الحق ، وهذا مبالغة تامة في تقرير المطلوب ، واعلم أنهم لما أخبروا عن وقوع الخصومة على سبيل الإجمال أردفوه ببيان سبب تلك الخصومة على سبيل التفصيل ، فقال : * ( إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صحاب " الكشاف " * ( أخي ) * يدل من هذا أو خبر لقوله : * ( إن ) * والمراد أخوة الدين أو أخوة الصداقة والألفة أو أخوة الشركة والخلطة ، لقوله تعالى : * ( وإن كثيراً من الخلطاء ) * وكل واحدة من هذه الأخوات توجب الامتناع من الظلم والاعتداء . المسألة الثانية : قال صاحب " الكشاف " قرىء * ( تسع وتسعون ) * بفتح التاء ونعجة بكسر النون ، وهذا من اختلاف اللغات نحو نطع ونطع ، ولقوة وهي الأنثى من العقبان . المسألة الثالثة : قال الليث : النعجة الأنثى من الضأن والبقرة الوحشية والشاة الجبلية ، والجمع النعجات ، والعرب جرت عادتهم بجعل النعجة والظبية كناية عن المرأة . المسألة الرابعة : قرأ عبد الله : * ( تسع وتسعون نعجة أنثى ) * وهذا يكون لأجل التأكيد كقوله تعالى : * ( وقال الله لا تتخذوا إليهن اثنين إنما هو إله واحد ) * ( النحل : 51 ) ، ثم قال : * ( أكفلنيها وعزني في الخطاب ) * قال صاحب " الكشاف " : * ( أكفلنيها ) * حقيقته اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي * ( وعزني ) * غلبني ، يقال عزه يعزه ، والمعنى جاءني بحجاج لم أقدر أن أورد عليه ما أورده به ، وقرئ وعازني من المعازة ، وهي المغالبة ، واعلم أن الذين قالوا إن هذين الخصمين كانا من الملائكة زعموا أن المقصود من ذكر النعاج التمثيل ، لأن داود كان تحته تسع وتسعون امرأة ولم يكن لأوريا إلا امرأة واحدة ، فذكرت الملائكة تلك الواقعة على سبيل الرمز والتمثيل . ثم قال تعالى : * ( قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ) * أي سؤال إضافة نعجتك إلى نعاجه ، وروي أنه قال : إن رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا ، وأشار إلى الأنف والجبهة