فخر الدين الرازي
194
تفسير الرازي
لما قال : * ( لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ) * فحكم عليه بكونه ظالماً بمجرد دعوى الخصم بغير بينة ، لكون هذا الحكم مخالفاً للصواب ، فعند هذا اشتغل بالاستغفار والتوبة ، إلا أن هذا في باب ترك الأفضل والأولى فثبت بهذه البيانات أنا إذا حملنا هذه الآثار على هذا الوجه ، فإنه لا يلزم إسناد شيء من الذنوب إلى داود عليه السلام ، بل ذلك يوجب إسناد أعظم الطاعات إليه ، ثم نقول وحمل الآية عليه أولى لوجوه الأول : أن الأصل في حال المسلم البعد عن المناهي ، لا سيما وهو رجل من أكابر الأنبياء والرسل والثاني : أنه أحوط والثالث : أنه تعالى قال في أول الآية لمحمد صلى الله عليه وسلم : * ( واصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ) * ( ص : 17 ) فإن قوم محمد عليه السلام لما أظهروا السفاهة حيث قالوا : * ( هذا ساحر كذاب ) * ( ص : 4 ) واستهزأوا به حيث قالوا : * ( ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ) * ( ص : 16 ) فقال تعالى في أول الآية : اصبر يا محمد على سفاهتهم وتحمل وتحلم ولا تظهر الغضب واذكر عبدنا داود ، فهذا الذكر إنما يحسن إذا كان داود عليه السلام قد صبر على إيذائهم وتحمل سفاهتهم وحلم ولم يظهر الطيش والغضب ، وهذا المعنى إنما يحصل إذا حملنا الآية على ما ذكرناه ، أما إذا حملناها على ما ذكروه صار الكلام متناقضاً فاسداً والرابع : أن تلك الرواية إنما تتمشى إذا قلنا الخصمان كانا ملكين ، ولما كانا من الملائكة وما كان بينهما مخاصمة وما بغى أحدهما على الآخر كان قولهما خصمان بغى بعضنا على بعض كذباً ، فهذه الرواية لا تتم إلا بشيئين أحدهما : إسناد الكذب إلى الملائكة والثاني : أن يتوسل بإسناد الكذب إلى الملائكة إلى إسناد أفحش القبائح إلى رجل كبير من أكابر الأنبياء ، فأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا استغنينا عن إسناد الكذب إلى الملائكة ، وعن إسناد القبيح إلى الأنبياء ، فكان قولنا أولى ، فهذا ما عندنا في هذا الباب ، والله أعلم بأسرار كلامه ، ونرجع الآن إلى تفسير الآيات . أما قوله : * ( وهل أتاك نبأ الخصم ) * قال الواحدي : الخصم مصدر خصمته أخصمه خصماً ، ثم يسمى به الاثنان والجمع ولا يثنى ولا يجمع ، يقال هما خصم وهم خصم ، كما يقال هما عدل وهم عدل ، والمعنى ذوا خصم وذوو خصم ، وأريد بالخصم ههنا الشخصان اللذان دخلا على داود عليه السلام ، وقوله تعالى : * ( إذ تسوروا المحراب ) * يقال تسورت السور تسوراً إذا علوته ، ومعنى : * ( تسوروا المحراب ) * أي أتوه من سوره وهو أعلاه ، يقال تسور فلان الدار إذا أتاها من قبل سورها . وأما المحراب فالمراد منه البيت الذي كان داود يدخل فيه ويشتغل بطاعة ربه ، وسمي ذلك البيت المحراب لاشتماله على المحراب ، كما يسمى الشيء بأشرف أجزائه ، وههنا مسألة من علم أصول الفقه ، وهي أن أقل الجمع اثنان عند بعض الناس ، وهؤلاء تمسكوا بهذه الآية ، لأنه تعالى ذكر صيغة الجمع في هذه الآيات في