فخر الدين الرازي

186

تفسير الرازي

حدوث التسبيح من الجبال شيئاً بعد شيء وحالاً بعد حال وكان السامع حاضر تلك الجبال يسمعها تسبح . والبحث الثالث : قال الزجاج يقال شرقت الشمس إذا طلعت وأشرقت إذا أضاءت وقيل هما بمعنى ، والأول أكثر تقول العرب شرقت الشمس والماء يشرق . والبحث الرابع : احتجوا على شرعية صلاة الضحى بهذه الآية ، عن أم هانئ قالت : " دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى صلاة الضحى ، وقال : يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق " وعن طاووس عن ابن عباس قال : " هل تجدون ذكر صلاة الضحى في القرآن ؟ قالوا لا ، فقرأ إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق " وقال كان يصليها داود عليه السلام وقال لم يزل في نفسي شيء من صلاة الضحى حتى وجدتها في قوله : * ( يسبحن بالعشي والإشراق ) * . الصفة السادسة : من صفات داود عليه السلام وقوله تعالى : * ( والطير محشورة كل له أواب ) * وفيه مباحث : البحث الأول : قوله : * ( والطير ) * معطوفة على الجبال والتقدير وسخرنا الطير محشورة ، قال ابن عباس رضي الله عنهما كان داود إذا سبح جاوبته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه ، واجتماعها إليه هو حشرها فيكون على هذا التقدير حاشرها هو الله * ( فإن قيل ) * كيف يصدر تسبيح الله عن الطير مع أنه لا عقل لها ، قلنا لا يبعد أن يقال إن الله تعالى كان يخلق لها عقلاً حتى تعرف الله فتسبحه حينئذٍ ، وكان معجزة لداود عليه السلام . البحث الثاني : قال صاحب " الكشاف " قوله : * ( محشورة ) * في مقابلة * ( يسبحن ) * إلا أنه ليس في الحشر مثل ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث شيئاً بعد شيء ، فلا جرم جيء به اسماً لا فعلاً ، وذلك أنه قال لو قيل وسخرنا الطير محشورة يسبحن على تقدير أن الحشر وجد من حاشرها جملة واحدة دل على القدر المذكور والله أعلم . البحث الثالث : قرىء * ( والطير محشورة ) * بالرفع . الصفة السابقة : من صفات داود عليه السلام ، قوله تعالى : * ( كل له أواب ) * ومعناه كل واحد من الجبال والطير أواب أي رجاع ، أي كلما رجع داود إلى التسبيح جاوبته ، فهذه الأشياء أيضاً كانت ترجع إلى تسبيحاتها ، والفرق بين هذه الصفة وبين ما قلبها أن فيما سبق علمنا أن الجبال والطير سبحت مع تسبيح داود عليه السلام ، وبهذا اللفظ فهمنا دوام تلك الموافقة وقيل الضمير في قوله : * ( كل له أواب ) * لله تعالى أي كل من داود والجبال والطير لله أواب أي مسبح مرجع للتسبيح . الصفة الثامنة : قوله تعالى : * ( وشددنا ملكه ) * أي قويناه وقال تعالى : * ( سنشد عضدك