فخر الدين الرازي

187

تفسير الرازي

بأخيك ) * ( القصص : 35 ) وقيل شددنا على المبالغة ، وأما الأسباب الموجبة لحصول هذا الشد فكثيرة ، وهي إما الأسباب الدنيوية أو الدينية ، أما الأول فذكروا فيه وجهين الأول : روى الواحدي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يحرسه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل ، فإذا أصبح قيل ارجعوا فقد رضي عنكم نبي الله ، وزاد آخرون فذكروا أربعين ألفاً . قالوا وكان أشد ملوك الأرض سلطاناً ، وعن عكرمة عن ابن عباس أن رجلاً ادعى عند داود على رجل أخذ منه بقرة فأنكر المدعي عليه ، فقال داود للمدعي أقم البينة فلم يقمها ، فرأى داود في منامه . أن الله يأمره أن يقتل المدعي عليه فثبت داود وقال هو منام فأتاه الوحي بعد ذلك بأن تقتله فأحضره وأعلمه أن أمره بقتله ، فقال المدعي عليه صدق الله إني كنت قتلت أبا هذا الرجل غيلة فقتله داود . فهذه الواقعة شددت ملكه ، وأما الأسباب الدينية الموجبة لهذا الشد فهي الصبر والتأمل التام والاحتياط الكامل . الصفة التاسعة : قوله : * ( وآتيناه الحكمة ) * واعلم أنه تعالى قال : * ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ) * ( البقرة : 269 ) واعلم أن الفضائل على ثلاثة أقسام النفسانية والبدنية والخارجية ، والفضائل النفسانية محصورة في قسمين العلم والعمل ، أما العلم فهو أن تصير النفس بالتصورات الحقيقية والتصديقات النفسانية بمقتضي الطاقة البشرية ، وأما العمل فهو أن يكون الإنسان آتياً بالعمل الأصلح الأصوب بمصالح الدنيا والآخرة ، فهذا هو الحكمة وإنما سمي هذا بالحمة لأن اشتقاق الحكمة من إحكام الأمور وتقويتها وتبعيدها عن أسباب الرخاوة والضعف ، والاعتقادات الصائبة الصحيحة لا تقبل النسخة والنقض فكانت في غاية الإحكام ، وأما الأعمال المطابقة لمصالح الدنيا والآخرة فإنها واجبة الرعاية ولا تقبل النقض والنسخ ، فلهذا السبب سمينا تلك المعارف وهذه الأعمال بالحكمة . الصفة العاشرة : قوله : * ( وفضل الخطاب ) * واعلم أن أجسام هذا العالم على ثلاثة أقسام أحدهما : ما تكون خالية عن الإدراك والشعور وهي الجمادات والنباتات وثانيها : التي يحصل لها إدراك وشعور ولكنها لا تقدر على تعريف غيرها الأحوال التي عرفوها في الأكثر وهذا القسم هو جملة الحيوانات سوى الإنسان وثالثها : الذي يحصل له إدراك وشعور ويحصل عنده قدرة على تعريف غيره الأحوال المعلومة له ، وذلك هو الإنسان وقدرته على تعريف غيره الأحوال المعلومة ، له ، وذلك هو الإنسان وقدرته على تعريف الغير الأحوال المعلومة عنده بالنطق والخطاب ، ثم إن الناس مختلفون في مراتب القدرة على التعبير عما في الضمير ، فمنهم من يتعذر عليه إيراد الكلام المرتب المنتظم بل يكون مختلط الكلام مضطرب القول ، ومنهم من يتعذر عليه الترتيب من بعض الوجوه ، ومنهم من يكون قادراً على ضبط المعنى والتعبير عنه إلى