فخر الدين الرازي
173
تفسير الرازي
هذا التعبير عن هذه المعاني كأنهم كانوا يقدمون على العادة في وقت الصباح ، فجعل ذكر ذلك الوقت كناية عن ذلك العمل ، ثم أعاد تعالى قوله : * ( فتول عنهم حتى حين * وأبصر فسوف يبصرون ) * فقيل المراد من هذه الكلمة فيما تقدم أحوال الدنيا ، وفي هذه الكلمة أحوال القيامة ، وعلى هذا التقدير فالتكرير زائل ، قيل أن المراد من التكرير المبالغة في التهديد والتهويل ، ثم إنه تعالى ختم السورة بخاتمة شريفة جامعة لكل المطالب العالية ، وذلك لأنه أهم المهمات للعاقل معرفة أحوال ثلاثة فأولها : معرفة إله العالم بقدر الطاقة البشرية ، وأقصى ما يمكن عرفانه من صفات الله تعالى ثلاثة أنواع أحدهما : تنزيهه وتقديسه عن كل ما لا يليق بصفات الإلهية ، وهو لفظة سبحان وثانيها : وصفه بكل ما يليق بصفات الإلهية وهو قوله : * ( رب العزة ) * تفيد الاستغراق ، وإذا كل الكل ملكاً له وملكاً له ولم يبق لغيره شيء ، فثبت أن قوله : * ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون ) * كلمة محتوية على أقصى الدرجات وأكمل النهايات في معرفة إله العالم والمهم الثاني : من مهمات العاقل أن يعرف أنه كيف ينبغي أن يعامل نفسه ويعامل الخلق في هذه الحياة الدنيوية . واعلم أن أكثر الخلق ناقصون ولا بد لهم من مكمل يكملهم ، ومرشد يرشدهم ، وهاد يهديهم ، وما ذلك إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وبديهة الفطرة شاهدة بأنه يجب على الناقص الاقتداء بالكامل ، فنبه على هذا الحرف يقوله : * ( وسلام على المرسلين ) * لأن هذا اللفظ يدل على أنهم في الكمال اللائق بالبشر فاقوا غيرهم ، ولا جرم يجب على كل من سواءهم الاقتداء بهم والمهم الثالث : من مهمات العاقل أن يعرف أنه كيف يكون حاله بعد الموت . واعلم أن معرفة هذه الحالة قبل الموت صعبة ، فالاعتماد فيها على حرف واحد ، وهو أنه إله العالم غني رحيم ، والغني الرحيم ولا يعذب فنبه على هذا الحرف بقوله : * ( والحمد لله رب العالمين ) * وذلك لأن استحقاق الحمد لا يحصل إلا بالإنعام العظيم ، فبين بهذا كونه منعماً ، وظاهر كونه غنياً عن العالمين ، ومن هذا وصفه كان الغالب منه هو الرحمة والفضل والكرم ، فكان هذا الحرف منبهاً على سلامة الحال بعد الموت ، فظهر بما ذكرنا أن هذه الخاتمة كالصدفة المحتوية على درر أشرف من دراري الكواكب ، ونسأل الله سبحانه وتعالى حسن الخاتمة والعافية في الدنيا والآخرة .