فخر الدين الرازي

172

تفسير الرازي

فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ * وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ * وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ * وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ * سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) * اعلم أنه تعالى لما هدد الكفار بقول تعالى : * ( فسوف يعلمون ) * أي عاقبة كفرهم أردفه بما يقوي قلب الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : * ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون ) * فبين أن وعده بنصرته قد تقدم والدليل عليه قوله تعالى : * ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون ) * فبين أن وعده بنصرته قد تقدم والدليل عليه قوله تعالى : * ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ) * ( المجادلة : 21 ) وأيضاً أن الخير مقضى بالذات والشر مقضى بالعرض ، وما بالذات أقوى مما بالعرض ، وأما لنصرة والغلبة فقد تكون بقوة الحجة ، وقد تكون بالدولة والاستيلاء ، وقد تكون بالدوام والثبات فالمؤمن وإن صار مغلوباً في بعض الأوقات بسبب ضعف أحوال الدنيا فهو الغالب ، ولا يلزم على هذه الآية أن يقال : فقد قتل بعض الأنبياء وقد هزم كثير من المؤمنين ثم قال تعالى لرسوله وقذ أخبره بما تقدم * ( فتولى عنهم حتى حين ) * والمراد إلى يوم بدر ، وقيل إلى فتح مكة ، وقيل إلى يوم القيامة ، ثم قال : * ( وأبصر فسوف يبصرون ) * والمعنى بأبصارهم وما يقضي عليهم من القتل والأسر في الدنيا والعذاب في الآخرة ، فسوف يبصرونك مع ما قدر لك من النصرة والتأييد في الدنيا والثواب العظيم في الآخرة ، والمراد من الأمر المشاهد بأبصارهم على الحال المنتظرة الموعودة الدلالة على أنها كائنة واقعة لا محالة ، وأن كينونتها قريبة كأنها قدام ناظريك ، وقوله : * ( فسوف يبصرون ) * للتهديد والوعيد ، ثم قال : * ( أفبعذابنا يستعجلون ) * والمعنى أن الرسول عليه السلام كان يهددهم بالعذاب ، وما رأوا شيئاً فكانوا يستعجلون نزول ذلك العذاب على سبيل الاستهزاء ، فبين تعالى أن ذلك الاستعجال جهل ، لأن لكل شيء من أفعال الله تعالى وقتاً معيناً لا يتقدم ولا يتأخر ، فكأن طلب حدوثه قبل مجيء ذلك الوقت جهلاً ، ثم قال تعالى : في صفة العذاب الذي يستعجلونه * ( فإذا نزل بساحتهم ) * أي هذا العذاب * ( فساء صباح المنذرين ) * وإنما وقع