فخر الدين الرازي

165

تفسير الرازي

يونس ، فقال : يا هؤلاء أنا العاصي وتلفف في كساء ورمي بنفسه فابتلعته السمكة فأوحي الله تعالى إلى الحوت : " لا تكسر منه عظماً ولا تقطع له وصلاً " ثم إن السمكة أخرجته إلى نيل مصر ثم إلى بحر فارس ثم إلى بحر البطائح ثم دجلة فصعدت به ورمته بأرض نصيبين بالعراء ، وهو كالفرخ المنتوف لا شعر ولا لحم ، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين ، فكان يستظل بها ويأكل من ثمرها حتى تشدد ، ثم إن الأرض أكلتها فخرت من أصلها فحزن يونس لذلك حزناً شديداً ، فقال : يا رب كنت أستظل تحت هذه الشجرة من الشمس والريح وأمص من ثمرها وقد سقطت ، فقيل له يا يونس تحزن على شجرة أنبتت في ساعة واقتلعت في ساعة ولا تحزن على مائة ألف أو يزيدون تركتهم ! انطلق إليهم ، والله أعلم بحقيقة الواقعة . ثم قال تعالى : * ( فالتقمه الحوت وهو مليم ) * يقال : القمة والتهمة والكل بمعنى واحد ، وقوله تعالى : * ( وهو مليم ) * يقال : ألام إذا أتى بما يلام عليه ، فالمليم المستحق للوم الآتي بما يلام عليه . ثم قال تعالى : * ( فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ) * وفي تفسير كونه من المسبحين قولان الأول : أن المراد منه ما حكي الله تعالى عنه في آية أخرى أنه كان يقول في تلك الظلمات * ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) * ( الأنبياء : 87 ) الثاني : أنه لولا أنه كان قبل أن التقمه الحوت من المسبحين يعني المصلين وكان في أكثر الأوقات مواظباً على ذكر الله وطاعته للبث في بطن ذلك الحوت ، وكان بطنه قبراً له إلى يوم البعث ، قال بعضهم : اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة ، فإن يونس عليه السلام كان عبداً صالحاً ذاكراً لله تعالى ، فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى : * ( آلآن وقد عصيت قبل ) * ( يونس : 91 ) واختلفوا في أنه كم لبث في بطن الحوت ، ولفظ القرآن لا يدل عليه . قال الحسن : لم يلبث إلا قليلاً وأخرج من بطنه بعد الوقت الذي التقمه ، وعن مقاتل بن حيان ثلاثة أيام وعن عطاء سبعة أيام وعن الضحاك عشرين يوماً وقيل شهراً ولا أدري بأي دليل عينوا هذه المقادير ، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " سبح يونس في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا : ربنا إنا نسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة ، فقال : ذاك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر ، فقالوا : العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح ؟ قال : نعم ، فشفعوا له فأمر الحوت فقذفه في الساحل " فذاك هو قوله : * ( فنبذناه بالعراء ) * وفيه مباحث : الأول : العراء المكان الخالي قال أبو عبيدة : إنما قيل له العراء لأنه لا شجر فيه ولا شيء يغطيه . الثاني : أنه تعالى قال : فنبذناه بالعراء ) * فأضاف ذلك النبذ إلى نفسه ، والنبذ إنما حصل بفعل الحوت ، وهذا يدل على أن فعل العبد مخلوق الله تعالى .