فخر الدين الرازي

164

تفسير الرازي

قوله : * ( لمن المرسلين ) * أنه من المرسلين عند الله تعالى . المسألة الثالثة : أبق من إباق العبد وهو هربه من سيده ، ثم اختلف المفسرون فقال بعضهم : إنه أبق من الله تعالى ، وهذا بعيد لأن ذلك لا يقال إلا فيمن يتعمد مخالفة ربه ، وذلك لا يجوز على الأنبياء واختلفوا فيما لأجله صار مخطئاً ، فقيل : لأنه أمر بالخروج إلى بني إسرائيل فلم يقبل ذلك التكليف وخرج مغاضباً لربه ، وهذا بعيد شواء أمره الله تعالى بذلك بوحي أو بلسان نبي آخر ، وقيل : إن ذنبه أنه ترك دعاء قومه ، ولم يصبر عليهم . وهذا أيضاً بعيد لأن الله تعالى لما أمره بهذا العمل فلا يجوز أن يتركه ، والأقرب فيه وجهان الأول : أن ذنبه كان لأن الله تعالى وعده إنزال الإهلاك بقومه الذين كذبوه فظن أنه نازل لا محالة ، فلأجل هذا الظن لم يصبر على دعائهم ، فكان الواجب عليه أن يستمر على الدعاء لجواز أن لا يهلكهم الله بالعذاب وإن أنزله ، وهذا هو الأقرب لأنه قادم على أمر ظهرت أماراته فلا يكون تعمداً للمعصية ، وإن كان الأولى في مثل هذا الباب أن لا يعمل فيه بالظن ثم انكشف ليونس من بعد أنه أخطأ في ذلك الظن ، لأجل أنه ظهر الإيمان منهم فمعنى قوله : * ( إذ أبق إلى الفلك ) * ما ذكرناه الوجه الثاني : أن يونس كان وعد قومه بالعذاب فلما تأخر عنهم العذاب خرج كالمستور عنهم فقصد البحر وركب السفينة ، فذلك هو قوله : * ( إذ أبق إلى الفلك ) * وتمام الكلام في مشكلات هذه الآية ذكرناه في قوله تعالى : * ( وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه ) * ( الأنبياء : 87 ) وقوله : * ( إلى الفلك المشحون ) * مفسر في سورة يونس والسفينة إذا كان فيها الحمل الكثير والناس يقال إنها مشحونة ، ثم قال تعالى : * ( فساهم ) * المساهمة هي المقارعة ، يقال : أسهم القوم إذا اقترعوا ، قال المبرد : وإنما أخذ من السهام التي تجال للقرعة * ( فكان من المدحضين ) * أي : المغلوبين يقال : أدحض الله حجته فدحضت أي : أزالها فزالت وأصل الكلمة من الدحض الذي هو الزلق ، يقال : دحضت رجل البعير إذا زلقت ، وذكر ابن عباس في قصة يونس عليه السلام أنه كان يسكن مع قومه فلسطين فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفاً وبقي سبطان ونصف ، وكان الله تعالى أوحي إلى بني إسرائيل إذا أسركم عدوكم أو أصابتكم مصيبة فادعوني أستجب لكم ، فلما نسوا ذلك وأسروا أوحي الله تعالى بعد حين إلى نبي من أنبيائهم أن أذهب إلى ملك هؤلاء الأقوام وقل له حتى يبعث إلى بني إسرائيل نبياً ، فاختار يونس عليه السلام لقوته وأمانته ، قال يونس : الله أمر بهذا قال : لا ولكن أمرت أن أبعث قوياً أميناً وأنت كذلك ، فقال يونس : وفي بني إسرائيل من هو أقوى مني فلم لا تبعثه ، فألح الملك عليه فغضب يونس منه وخرج حتى أتى بحر الروم ووجد سفينة مسجونة فحملوه فيها ، فلما دخلت لجة البحر أشرفت على الغرق ، فقال الملاحون : إن فيكم عاصياً وإلا لم يحصل في السفينة ما نراه من غير ربح ولا سبب ظاهر ، وقال التجار : قد جربنا مثل هذا فإذا رأيناه نقترع ، فمن خرج سهمه نغرقه ، فلأن يغرق واحد خير من غرق الكل فخرج سهم يونس ، فقال التجار : نحن أولى بالمعصية من نبي الله ، ثم عادوا ثانياً وثالثاً يقترعون فيخرج سهم