فخر الدين الرازي

66

تفسير الرازي

المسألة الثانية : قال ههنا وفي الأعراف : * ( فأخذتهم الرجفة ) * وقال في هود : * ( فأخذتهم الصيحة ) * ( الحجر : 73 ) والحكاية واحدة ، نقول لا تعارض بينهما فإن الصيحة كانت سبباً للرجفة ، إما لرجفة الأرض إذ قيل إن جبريل صاح فتزلزلت الأرض من صيحته ، وإما لرجفة الأفئدة فإن قلوبهم ارتجفت منها ، والإضافة إلى السبب لا تنافي الإضافة إلى سبب السبب ، إذ يصح أن يقال روى فقوي ، وأن يقال شرب فقوي في صورة واحدة . المسألة الثالثة : حيث قال : * ( فأخذتهم الصيحة ) * قال : * ( في ديارهم ) * وحيث قال : * ( فأخذتهم الرجفة ) * قال : * ( في دارهم ) * فنقول المراد من الدار هو الديار ، والإضافة إلى الجمع يجوز أن تكون بلفظ الجمع ، وأن تكون بلفظ الواحد إذا أمن الالتباس ، وإنما اختلف اللفظ للطيفة ، وهي أن الرجفة هائلة في نفسها فلم يحتج إلى مهول ، وأما الصيحة فغير هائلة في نفسها لكن تلك الصيحة لما كانت عظيمة حتى أحدثت الزلزلة في الأرض ذكر الديار بلفظ الجمع ، حتى تعلم هيبتها والرجفة بمعنى الزلزلة عظيمة عند كل أحد فلم يحتج إلى معظم لأمرها ، وقيل إن الصيحة كانت أعم حيث عمت الأرض والجو ، والزلزلة لم تكن إلا في الأرض فذكر الديار هناك غير أن هذا ضعيف لأن الدار والديار موضع الجثوم لا موضع الصيحة والرجفة ، فهم ما أصبحوا جاثمين إلا في ديارهم . * ( وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ * وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُواْ فِى الاَْرْضِ وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ ) * . ثم قال تعالى : * ( وعاداً وثمود ) * أي وأهلكنا عاداً وثمود لأن قوله تعالى : * ( فأخذتهم الرجفة ) * دل على الإهلاك * ( وقد تبين لكم من مساكنهم ) * الأمر وما تعتبرون منه ، ثم بين سبب ما جرى عليهم فقال : * ( وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل ) * فقوله : * ( وزين لهم الشيطان أعمالهم ) * يعني عبادتهم لغير الله * ( وصدهم عن السبيل ) * يعني عبادة الله * ( وكانوا مستبصرين ) * يعني بواسطة الرسل يعني فلم يكن لهم في ذلك عذر فإن الرسل أوضحوا السبل . ثم قال تعالى : * ( وقارون وفرعون وهامان ) * عطفاً عليهم أي : وأهلكنا قارون وفرعون وهامان .