فخر الدين الرازي

67

تفسير الرازي

ثم قال تعالى : * ( ولقد جاءهم موسى بالبينات ) * كما قال في عاد وثمود : * ( وكانوا مستبصرين ) * أي بالرسل ، ثم قال تعالى : * ( فاستكبروا ) * أي عن عبادة الله وقوله : * ( في الأرض ) * إشارة إلى ما يوضح قلة عقلهم في استكبارهم ، وذلك لأن من في الأرض أضعف أقسام المكلفين ، ومن في السماء أقواهم ، ثم إن من في السماء لا يستكبر على الله وعن عبادته ، فكيف ( يستكبر ) من في الأرض . ثم قال تعالى : * ( وما كانوا سابقين ) * أي ما كانوا يفوتون الله لأنا بينا في قوله تعالى : * ( وما أنتم بمعجزين في الأرض ) * ( العنكبوت : 22 ) أن المراد أن أقطار الأرض في قبضة قدرة الله . * ( فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الاَْرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) * . ذكر الله أربعة أشياء العذاب بالحاصب ، وقيل إنه كان بحجارة محماة يقع على واحد منهم وينفذ من الجانب الآخر ، وفيه إشارة إلى النار والعذاب بالصيحة وهو هواء متموج ، فإن الصوت قيل سببه تموج الهواء ووصوله إلى الغشاء الذي على منفذ الأذن وهو الصماخ فيقرعه فيحس ، والعذاب بالخسف وهو الغمر في التراب ، والعذاب بالإغراق وهو بالماء . فحصل العذاب بالعناصر الأربعة والإنسان مركب منها وبها قوامه وبسببها بقاؤه ودوامه ، فإذا أراد الله هلاك الإنسان جعل ما منه وجوده سبباً لعدمه ، وما به بقاؤه سبباً لفنائه ، ثم قال تعالى : * ( وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) * يعني لم يظلمهم بالهلاك ، وإنما هم ظلموا أنفسهم بالإشراك وفيه وجه آخر ألطف وهو أن الله ما كان يظلمهم أي ما كان يضعهم في غير موضعهم فإن موضعهم الكرامة كما قال تعالى : * ( ولقد كرمنا بني آدم ) * ( الإسراء : 70 ) لكنهم ظلموا أنفسهم حيث وضعوها مع شرفهم في عبادة الوثن مع خسته . * ( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ) * . لما بين الله تعالى أنه أهلك من أشرك عاجلاً وعذب من كذب آجلاً ، ولم ينفعه في الدارين معبوده ولم يدفع ذلك عنه ركوعه وسجوده ، مثل اتخاذه ذلك معبوداً باتخاذ العنكبوت بيتاً لا يجير آوياً ولا يريح ثاوياً ، وفي الآية لطائف نذكرها في مسائل : المسألة الأولى : ما الحكمة في اختيار هذا المثل من بين سائر الأمثال ؟ فنقول فيه وجوه