فخر الدين الرازي

34

تفسير الرازي

لقوله : * ( كل شيء هالك إلا وجهه ) * ( القصص : 88 ) فينبغي أن يكون العمل لوجه الله حتى يبقى فيكون صالحاً ، وما لا يكون لوجهه لا يبقى لا بنفسه ولا بالعامل ولا بالمعمول له فلا يكون صالحاً ، فالعمل الصالح هو الذي أتى به المكلف مخلصاً لله . المسألة الخامسة : هذا يقتضي أن تكون النية شرطاً في الصالحات من الأعمال وهي قصد الإيقاع لله ، ويندرج فيها النية في الصوم خلافاً لزفر ، وفي الوضوء خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله . المسألة السادسة : العمل الصالح مرفوع لقوله تعالى : * ( العمل الصالح يرفعه ) * ( فاطر : 10 ) لكنه لا يرتفع إلا بالكلم الطيب فإنه يصعد بنفسه كما قال تعالى : * ( إليه يصعد الكلم الطيب ) * ( فاطر : 10 ) وهو يرفع العمل فالعمل من غير المؤمن لا يقبل ، ولهذا قدم الإيمان على العمل ، وههنا لطيفة ، وهي أن أعمال المكلف ثلاثة عمل قلبه وهو فكره واعتقاده وتصديقه ، وعمل لسانه وهو ذكره وشهادته ، وعمل جوارحه وهو طاعته وعبادته . فالعبادة البدنية لا ترتفع بنفسها وإنما ترتفع بغيرها ، والقول الصادق يرتفع بنفسه كما بين في الآية ، وعمل القلب وهو الفكر ينزل إليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله ينزل إلى السماء الدنيا ويقول هل من تائب " والتائب النادم بقلبه ، وكذلك قوله عليه السلام : " يقول الله عز وجل أنا عند المنكسرة قلوبهم " يعني بالفكرة في عجزه وقدرتي وحقارته وعظمتي ومن حيث العقل من تفكر في آلاء الله وجد الله وحضر ذهنه ، فعلم أن لعمل القلب يأتي الله وعمل اللسان يذهب إلى الله وعمل الأعضاء يوصل إلى الله ، وهذا تنبيه على فضل عمل القلب . المسألة السابعة : ذكر الله من أعمال العبد نوعين : الإيمان والعمل الصالح ، وذكر في مقابلتهما من أفعال الله أمرين تكفير السيئات والجزاء بالأحسن حيث قال : * ( لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن ) * فتكفير السيئات في مقابلة الإيمان ، والجزاء بالأحسن في مقابلة العمل الصالح ، وهذا يقتضى أموراً الأول : المؤمن لا يخلد في النار لأن بإيمانه تكفر سيئاته فلا يخلد في العذاب الثاني : الجزاء الأحسن المذكور ههنا غير الجنة ، وذلك لأن المؤمن بإيمانه يدخل الجنة إذ تكفر سيئاته ومن كفرت سيئاته أدخل الجنة ، فالجزاء الأحسن يكون غير الجنة وهو ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، ولا يبعد أن يكون هو الرؤية . الأمر الثالث : هو أن الإيمان يستر قبح الذنوب في الدنيا فيستر الله عيوبه في الأخرى ، والعمل الصالح يحسن حال الصالح في الدنيا فيجزيه الله الجزاء الأحسن في العقبى ، فالإيمان إذن لا يبطله العصيان بل هو يغلب المعاصي ويسترها ويحمل صاحبها على الندم ، والله أعلم . المسألة الثامنة : قوله : * ( لنكفرن عنهم سيئاتهم ) * يستدعي وجود السيئات حتى تكفر * ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات ) * بأسرها من أين يكون لهم سيئة ؟ فنقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن وعد الجميع بأشياء لا يستدعي وعد كل واحد بكل واحد من تلك الأشياء ، مثاله : إذا قال الملك لأهل بلد إذا أطعتموني أكرم آباءكم واحترم أبناءكم وأنعم عليكم وأحسن