فخر الدين الرازي

35

تفسير الرازي

إليكم ، لا يقتضي هذا أنه يكرم آباء من توفى أبوه ، أو يحترم ابن من لم يولد له ولد ، بل مفهومه أنه يكرم أب من له أب ، ويحترم ابن من له ابن ، فكذلك يكفر سيئة من له سيئة الجواب الثاني : ما من مكلف إلا وله سيئة أما غير الأنبياء فظاهر ، وأما الأنبياء فلأن ترك الأفضل منهم كالسيئة من غيرهم ، ولهذا قال تعالى : * ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) * ( التوبة : 43 ) . المسألة التاسعة : قوله : * ( ولنجزينهم أحسن ) * يحتمل وجهين أحدهما : لنجزينهم بأحسن أعمالهم وثانيهما : لنجزينهم أحسن من أعمالهم . وعلى الوجه الأول معناه نقدر أعمالهم أحسن ما تكون ونجزيهم عليها لا أنه يختار منها أحسنها ويجزى عليه ويترك الباقي ، وعلى الوجه الثاني : معناه قريب من معنى قوله تعالى : * ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) * ( الأنعام : 160 ) وقوله : * ( فله خير منها ) * ( النمل : 89 ) . المسألة العاشرة : ذكر حال المسئ مجملاً بقوله : * ( أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ) * إشارة إلى التعذيب مجملاً . وذكر حال المحسن مجملاً بقوله : * ( ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ) * ومفصلاً بهذه الآية ، ليكون ذلك إشارة إلى أن رحمته أتم من غضبه وفضله أعم من عدله . قوله تعالى * ( وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) * . الأولى : ما وجه تعلق الآية بما قبلها ؟ نقول : لما بين الله حسن التكاليف ووقوعها ، وبين ثواب من حقق التكاليف أصولها وفروعها تحريضاً للمكلف على الطاعة ، ذكر المانع ومنعه من أن يختار اتباعه ، فقال الإنسان إن انقاد لأحد ينبغي أن ينقاد لأبويه ، ومع هذا لو أمراه بالمعصية لا يجوز اتباعهما فضلاً عن غيرهما فلا يمنعن أحدكم شيء من طاعة الله ولا يتبعن أحد من يأمر بمعصية الله . المسألة الثانية : في القراءة قرىء حسناً وإحساناً وحسناً أظهر ههنا ، ومن قرأ إحساناً فمن قوله تعالى : * ( وبالوالدين إحساناً ) * البقرة : 83 ) والتفسير على القراءة المشهورة هو أن الله تعالى وصى الإنسان بأن يفعل مع والديه حسن التأبي بالفعل والقول ، ونكر حسناً ليدل على الكمال ، كما يقال إن لزيد مالاً . المسألة الثالثة : في قوله : * ( ووصينا الإنسان بوالديه حسناً ) * دليل على أن متابعتهم في الكفر لا يجوز ، وذلك لأن الإحسان بالوالدين وجب بأمر الله تعالى فلو ترك العبد عبادة الله تعالى بقول الوالدين لترك طاعة الله تعالى فلا ينقاد لما وصاه به فلا يحسن إلى الوالدين ، فاتباع العبد أبويه