فخر الدين الرازي
141
تفسير الرازي
الثالث : هو أن اللهو قد يقصد به الإحماض كما ينقل عن ابن عباس أنه قال أحمضوا ونقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " روحوا القلوب ساعة فساعة " رواه الديلمي عن أنس مرفوعاً ويشهد له ما في مسلم " يا حنظلة ساعة وساعة " والعوام يفهمون منه الأمر بما يجوز من المطايبة ، والخواص يقولون هو أمر بالنظر إلى جانب الحق فإن الترويح به لا غير فلما لم يكن قصدهم إلا الإضلال لقوله : * ( ليضل عن سبيل الله ) * كان فعله أدخل في القبح . ثم قال تعالى : * ( بغير علم ) * عائد إلى الشراء أي يشتري بغير علم ويتخذها أي يتخذ السبيل * ( أولئك لهم عذاب مهين ) * قوله : * ( مهين ) * إشارة إلى أمر يفهم منه الدوام ، وذلك لأن الملك إذا أمر بتعذيب عبد من عبيده ، فالجلاد إن علم أنه ممن يعود إلى خدمة الملك ولا يتركه الملك في الحبس يكرمه ويخفف من تعذيبه ، وإن علم أنه لا يعود إلى ما كان عليه وأمره قد انقضى ، فإنه لا يكرمه . فقوله : * ( عذاب مهين ) * إشارة إلى هذا وبه يفرق بين عذاب المؤمن وعذاب الكافر ، فإن عذاب المؤمن ليطهر فهو غير مين . قوله تعالى * ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) * . أي يشتري الحديث الباطل ، والحق الصراح يأتيه مجاناً يعرض عنه ، وإذا نظرت فيه فهمت حسن هذا الكلام من حيث إن المشتري يطلب المشترى مع أنه يطلبه ببذل الثمن ، ومن يأتيه الشيء لا يطلبه ولا يبذل شيئاً ، ثم إن الواجب أن يطلب العاقل الحكمة بأي شيء يجده ويشتريها ، وهم ما كانوا يطلبونها ، وإذا جاءتهم مجاناً ما كانوا يسمعونها ، ثم إن فيه أيضاً مراتب الأولى : التولية عن الحكمة وهو قبيح والثاني : الاستكبار ، ومن يشتري حكاية رستم وبهرام ويحتاج إليها كيف يكون مستغنياً عن الحكمة حتى يستكبر عنها ؟ وإنما يستكبر الشخص عن الكلام وإذا كان يقول أنا أقول مثله ، فمن لا يقدر يصنع مثل تلك الحكايات الباطلة كيف يستكبر على الحكمة البالغة التي من عند الله ؟ الثالث : قوله تعالى : * ( كأن لم يسمعها ) * شغل المتكبر الذي لا يلتفت إلى الكلام ويجعل نفسه كأنها غافلة الرابع : قوله : * ( كأن في أذنيه وقراً ) * أدخل في الإعراض . ثم قال تعالى : * ( فبشره بعذاب أليم ) * أي له عذاب مهين بشره أنت به وأوعده ، أو يقال إذا كان حاله هذا * ( فبشره بعذاب أليم ) * .