فخر الدين الرازي

142

تفسير الرازي

قوله تعالى * ( إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ * خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) * . لما بين حال من إذا تتلى عليه الآيات ولى ، بين حال من يقبل على تلك الآيات ويقبلها وكما أن ذلك له مراتب من التولية والاستكبار ، فهذا له مراتب من الإقبال والقبول والعمل به ، فإن من سمع شيئاً وقبله قد لا يعمل به فلا تكون درجته مثل من يسمع ويطيع ثم إن هذا له جنات النعيم ولذلك عذاب مهين وفيه لطائف : إحداها : توحيد العذاب وجمع الجنات إشارة إلى أن الرحمة واسعة أكثر من الغضب الثانية : تنكير العذاب وتعريف الجنة بالإضافة إلى المعرف إشارة إلى أن الرحيم يبين النعمة ويعرفها إيصالاً للراحة إلى القلب ، ولا يبين النقمة ، وإنما ينبه عليها تنبيهاً الثالثة : قال عذاب ، ولم يصرح بأنهم فيه خالدون ، وإنما أشار إلى الخلود بقوله : * ( مهين ) * وصرح في الثواب بالخلود بقوله : * ( خالدين فيها ) * ، الرابعة : أكد ذلك بقوله : * ( وعد الله حقاً ) * ولم يذكره هناك الخامسة : قال هناك لغيره * ( فبشره بعذاب ) * وقال ههنا بنفسه * ( وعد الله ) * ، ثم لم يقل أبشركم به لأن البشارة لا تكون إلا بأعظم ما يكون ، لكن الجنة دون ما يكون للصالحين بشارة من الله ، وإنما تكون بشارتهم منه برحمته ورضوانه كما قال تعالى : * ( يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم ) * ( التوبة : 21 ) ولولا قوله : * ( منه ) * لما عظمت البشارة ، ولو كانت * ( منه ) * مقرونة بأمر دون الجنة لكان ذلك فوق الجنة من غير إضافة فإن قيل فقد بشر بنفس الجنة بقوله : * ( وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ) * ( فصلت : 30 ) نقول البشارة هناك لم تكن بالجنة وحدها ، بل بها وبما ذكر بعدها إلى قوله تعالى : * ( نزلا من غفور رحيم ) * والنزل ما يهيأ عند النزول والإكرام العظيم بعده * ( وهو العزيز الحكيم ) * كامل القدرة يعذب المعرض ويثيب المقبل ، كامل العلم يفعل الأفعال كما ينبغي ، فلا يعذب من يؤمن ولا يثيب من يكفر . قوله تعالى * ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِى الاَْرْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ) * . ثم قال تعالى : * ( خلق السماوات بغير عمد ترونها ) * . بين عزته وحكمته بقوله : * ( خلق السماوات بغير عمد ) * اختلف قول العلماء في السماوات فمنهم من قال إنها مبسوطة كصفيحة مستوية ، وهو قول أكثر المفسرين ومنهم من قال إنها مستديرة وهو قول جميع المهندسين ، والغزالي رحمه الله قال نحن نوافقهم في ذلك فإن لهم عليها دليلاً من المحسوسات ومخالفة الحس لا تجوز ، وإن كان في الباب خبر نؤوله بما يحتمله ، فضلاً من أن ليس في القرآن والخبر ما يدل على ذلك صريحاً ، بل فيه ما يدل على الاستدارة كما قال تعالى : * ( كل في فلك