فخر الدين الرازي

140

تفسير الرازي

* ( هدى للمتقين ) * ( البقرة : 1 ) فقوله : * ( هدى ) * في مقابلة قوله : * ( الكتاب ) * وقوله : * ( ورحمة ) * في مقابلة قوله : * ( الحكيم ) * ووصف الكتاب بالحكيم على معنى ذي الحكم كقوله تعالى : * ( في عيشة راضية ) * ( الحاقة : 21 ) أي ذات رضا . المسألة الثانية : قال هناك * ( للمتقين ) * وقال ههنا * ( للمحسنين ) * لأنه لما ذكر أنه هدى ولم يذكر شيئاً آخر قال : * ( للمتقين ) * أي يهتدي به من يتقي الشرك والعناد والتعصب ، وينظر فيه من غير عناد ، ولما زاد ههنا رحمة قال : * ( للمحسنين ) * أي المتقين الشرك والعناد الآتين بكلمة الإحسان فالمحسن هو الآتي بالإيمان والمتقي هو التارك للكفر ، كما قال تعالى : * ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) * ( النحل : 128 ) ومن جانب الكفر كان متقياً وله الجنة ، ومن أتى بحقيقة الإيمان كان محسناً وله الزيادة لقوله تعالى : * ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) * ( يونس : 26 ) ولأنه لما ذكر أنه رحمة قال : * ( للمحسنين ) * لأن رحمة الله قريب من المحسنين . المسألة الثالثة : قال هناك * ( الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ) * ( البقرة : 3 ) وقال ههنا * ( الذين يقيمون الصلاة ) * ولم يقل يؤمنون لما بينا أن المتقي هو التارك للكفر ويلزمه أن يكون مؤمناً والمحسن هو الآتي بحق الإيمان ، ويلزمه أن لا يكون كافراً ، فلما كان المتقي دالاً على المؤمن في الالتزام صرح بالإيمان هناك تبييناً ولما كان المحسن دالاً على الإيمان بالتنصيص لم يصرح بالإيمان وقوله تعالى : * ( الذين يقيمون الصلاة ) * قد ذكرنا ما في الصلاة وإقامتها مراراً وما في الزكاة والقيام بها ، وذكرنا في تفسير الأنفال في أوائلها أن الصلاة ترك التشبه بالسيد فإنها عبادة صورة وحقيقة والله تعالى تجب له العبادة ولا تجوز عليه العبادة ، وترك التشبه لازم على العبد أيضاً في أمور فلا يجلس عند جلوسه ولا يتكئ عند اتكائه ، والزكاة تشبه بالسيد فإنها دفع حاجة الغير والله دافع الحاجات ، والتشبه لازم على العبد أيضاً في أمور ، كما أن عبد العالم لا يتلبس بلباس الأجناد ، وعبد الجندي لا يتلبس بلباس الزهاد ، وبهما تتم العبودية . * ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) * . لما بين أن القرآن كتاب حكيم يشتمل على آيات حكمية بين من حال الكفار أنهم يتركون ذلك ويشتغلون بغيره ، ثم إن فيه ما يبين سوء صنيعهم من وجوه الأول : أن ترك الحكمة والاشتغال بحديث آخر قبيح الثاني : هو أن الحديث إذا كان لهواً لا فائدة فيه كان أقبح