فخر الدين الرازي

21

تفسير الرازي

فكيف يصح أن يقول في جميعهم * ( وما أولئك بالمؤمنين ) * مع أن الذي تولى منهم هو البعض ؟ قلنا إن قوله : * ( وما أولئك بالمؤمنين ) * راجع إلى الذين تولوا لا إلى الجملة الأولى ، وأيضاً فلو رجع إلى الأول يصح ويكون معنى قوله : * ( ثم يتولى فريق منهم ) * أي يرجع هذا الفريق إلى الباقين منهم فيظهر بعضهم لبعض الرجوع عما أظهروه ، ثم بين سبحانه أنهم إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون ، وهذا ترك للرضا بحكم الرسول ، ونبه بقوله تعالى : * ( وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين ) * على أنهم إنما يعرضون متى عرفوا الحق لغيرهم أوشكوا فأما إذا عرفوه لأنفسهم عدلوا عن الإعراض بل سارعوا إلى الحكم وأذعنوا ببذل الرضا ، وفي ذلك دلالة على أنه ليس بهم اتباع الحق ، وإنما يريدون النفع المعجل ، وذلك أيضاً نفاق . أما قوله تعالى : * ( أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله ) * ففيه سؤالات : السؤال الأول : كلمة ( أم ) للاستفهام وهو غير جائز على الله تعالى والجواب : اللفظ استفهام ومعناه الخبر كما قال جرير : ألستم خير من ركب المطايا * ( وأندى العالمين بطون راح ) السؤال الثاني : أنهم لو خافوا أن يحيف الله عليهم فقد ارتابوا في الدين وإذ ارتابوا ففي قلوبهم مرض ، فالكل واحد ، فأي فائدة في التعديد ؟ الجواب : قوله : * ( أفي قلوبهم مرض ) * إشارة إلى النفاق وقوله : * ( أم ارتابوا ) * إشارة إلى أنه حدث هذا الشك والريب بعد تقرير الإسلام في القلب ، وقوله : * ( أم يخافون أن يحيف الله عليهم ) * إشارة إلى أنهم بلغوا في حب الدنيا إلى حيث يتركون الدين بسببه . السؤال الثالث : هب أن هذه الثلاثة متغايرة ولكنها متلازمة فكيف أدخل عليها كلمة ( أم ) ؟ الجواب : الأقرب أنه تعالى ذمهم على كل واحد من هذه الأوصاف فكان في قلوبهم مرض وهو النفاق ، وكان فيها شك وارتياب ، وكانوا يخافون الحيف من الرسول عليه الصلاة والسلام وكل واحد من ذلك كفر ونفاق ، ثم بين تعالى بقوله : * ( بل أولئك هم الظالمون ) * بطلان ما هم عليه لأن الظلم يتناول كل معصية كما قال تعالى : * ( إن الشرك لظلم عظيم ) * إذ المرء لا يخلو من أن يكون ظالماً لنفسه أو ظالماً لغيره ، ويمكن أن يقال أيضاً لما ذكر تعالى في الأقسام كونهم خائفين من الحيف ، أبطل ذلك بقوله : * ( بل أولئك هم الظالمون ) * أي لا يخافون أن يحيف الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم لمعرفتهم بأمانته وصيانته وإنما هم ظالمون يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم وهم له جحود ، وذلك شيء لا يستطيعونه في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يأبون المحاكمة إليه .