أبي الفرج الأصفهاني
173
الأغاني
أنا أبا حمزة بلغه أن أهل المدينة يعيبون أصحابه لحداثة أسنانهم ، وخفّة أحلامهم ، فبلغه ذلك عنهم ؛ فصعد المنبر ؛ وعليه كساء غليظ ؛ وهو متنكَّب قوسا عربية فحمد اللَّه ، وأثنى عليه وصلَّى على نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلم وآله ، ثم قال : يا أهل المدينة ، قد بلغتني مقالتكم في أصحابي ، ولولا معرفتي بضعف رأيكم / وقلَّة عقولكم لأحسنت أدبكم ، ويحكم ! / إن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم أنزل عليه الكتاب ، وبيّن له فيه السّنن ، وشرع له فيه الشرائع ، وبيّن له فيه ما يأتي وما يذر ، فلم يكن يتقدّم إلا بأمر اللَّه ، ولا يحجم إلا عن أمر اللَّه ، حتى قبضه اللَّه إليه - صلَّى اللَّه عليه وسلم - وقد أدّى الذي عليه ، لم يدعكم من أمركم في شبهة ، ثم قام من بعده أبو بكر ؛ فأخذ بسنّته ، وقاتل أهل الرّدّة ؛ وشمّر في أمر اللَّه ؛ حتى قبضه اللَّه إليه والأمة عنه راضون ، رحمة اللَّه عليه ومغفرته ؛ ثم ولي بعده عمر ؛ فأخذ بسنة صاحبيه ، وجنّد الأجناد ؛ ومصّر الأمصار ؛ وجبي الفيء ؛ فقسّمه بين أهله ؛ فقسّمه بين أهله ؛ وشمّر عن ساقه ، وحسر عن ذراعه ، وضرب في الخمر ثمانين ، وقام في شهر رمضان ، وغزا العدوّ في بلادهم ؛ وفتح المدائن والحصون ؛ حتى قبضه اللَّه إليه والأمة عنه راضون ، رحمة اللَّه عليه ورضوانه ومغفرته ، ثم ولي من بعده عثمان بن عفان فعمل في ستّ سنين بسنّة صاحبيه ؛ ثم أحدث أحداثا أبطل آخر منها أولا ، واضطرب حبل الدين بعدها ، فطلبها كلّ امرئ لنفسه ، وأسرّ كلّ رجل منهم سريرة أبداها اللَّه عنه ؛ حتى مضوا على ذلك ، ثم ولي عليّ بن أبي طالب ، فلم يبلغ من الحق قصدا ؛ ولم يرفع له منارا ومضى ؛ ثم ولي معاوية بن أبي سفيان لعين رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم وابن لعينه ، وحلف من الأعراب ، وبقية من الأحزاب ، مؤلَّف طليق ، فسفك الدم الحرام ، واتّخذ عباد اللَّه حولا ، ومال اللَّه دولا ، وبغى دينه عوجا ودغلا [ 1 ] ، وأحلّ الفرج الحرام ، وعمل بما يشتهيه ؛ حتى مضى لسبيله ، فعل اللَّه به وفعل ، ثم ولى بعده ابنه يزيد : يزيد الخمور ، ويزيد الصّقور ، ويزيد الفهود ، ويزيد الصّيود ، ويزيد القرود ، فخالف القرآن ، واتّبع الكهّان ، ونادم القرد ، وعمل بما يشتهيه حتى مضى على ذلك لعنه اللَّه ، وفعل به وفعل ، ثم ولي مروان بن الحكم طريد لعين رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وسلم / وآله - وابن لعينه ؛ فاسق في بطنه وفرجه ، فالعنوه والعنوا آباءه . ثم تداولها بنو مروان بعده ؛ أهل بيت اللعنة ، طرداء رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وسلم - وقوم من الطلقاء ليسوا من المهاجرين والأنصار ولا التابعين لهم بإحسان ، فأكلوا مال اللَّه أكلا ، ولعبوا بدين اللَّه لعبا ، واتّخذوا عباد اللَّه عبيدا ، يورّث ذلك الأكبر منهم الأصغر . فيا لها أمة ، ما أضيعها وأضعفها ! والحمد للَّه ربّ العالمين ، ثم مضوا على ذلك من أعمالهم واستخفافهم بكتاب اللَّه تعالى ؛ قد نبذوه وراء ظهورهم ، لعنهم اللَّه ؛ فالعنوهم كما يستحقّون ؛ وقد ولي منهم عمر بن عبد العزيز ؛ فبلغ ؛ ولم يكد ؛ وعجز عن الذي أظهره ، حتى مضى لسبيله - ولم يذكره بخير ولا شرّ [ 2 ] - ثم ولي يزيد بن عبد الملك ، غلام ضعيف سفيه غير مأمون على شيء من أمور المسلمين ، لم يبلغ أشدّه ، ولم يؤانس رشده ، وقد قال اللَّه عزّ وجلّ : * ( ( فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ) ) * [ 3 ] فأمر أمة محمد في أحكامها وفروجها ودمائهم أعظم من ذلك كلَّه ، وإن كان ذلك عند اللَّه عظيما ، مأبون في بطنه وفرجه ، يشرب الحرام ، ويأكل الحرام ، ويلبس الحرام ، ويلبس بردتين قد حيكتا له ، وقوّمتا على أهلهما بألف دينار وأكثر وأقلّ ، قد أخذت من غير حلَّها وصرفت في غير وجهها ، بعد أن ضربت فيها الأبشار [ 4 ] ، وحلقت فيها الأشعار ، واستحلّ ما لم يحلّ اللَّه / لعبد صالح ، ولا لنبي مرسل ، ثم يجلس
--> [ 1 ] دغلا : فسادا . [ 2 ] ما بين القوسين من كلام المؤلف . [ 3 ] النساء : 6 . [ 4 ] الأبشار : جمع بشرة أي الجلود .