أبي الفرج الأصفهاني
174
الأغاني
حبابة عن يمينه ، وسلامة عن شماله تعنّيانه بمزامير الشّيطان ، ويشرب الخمر الصّراح المحرمة نصّا بعينها ، حتى إذا أخذت مأخذها فيه ، وخالطت روحه ولحمه ودمه ، وغلبت سورتها على عقله مزّق حلَّتيه [ 1 ] ، ثم التفت إليهما فقال : أتأذنان لي أن أطير ؟ نعم ، فطر إلى النار ، إلى لعنة اللَّه وناره حيث لا يردّك اللَّه . ثم ذكر بني أمية وأعمالهم وسيرهم فقال : أصابوا إمرة ضائعة وقوما طغاما جهّالا ، لا يقومون للَّه بحق ، ولا يفرّقون بين الضلالة والهدى ، ويرون أن بني أمية / أرباب لهم ، فملكوا الأمر ، وتسلَّطوا فيه تسّلط ربوبية ، بطشهم بطش الجبابرة ، يحكمون بالهوى ، ويقتلون على الغضب ، ويأخذون بالظنّ ، ويعطَّلون الحدود بالشفاعات ، ويؤمّنون الخونة ويقصون ذوي الأمانة ، ويأخذون الصدقة في غير وقتها على غير فرضها ، ويضعونها في غير موضعها ، فتلك الفرقة الحاكمة بغير ما أنزل اللَّه ، فالعنوهم ، لعنهم اللَّه ! وأما إخواننا من هذه الشيعة فليسوا بإخواننا في الدين ، لكن سمعت اللَّه عزّ وجلّ قال في كتابه : * ( ( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا ) ) * [ 2 ] شيعة ظاهرت بكتاب اللَّه ، وأعلنت الفرية على اللَّه لا يرجعون إلى نظر نافذ في القرآن ، ولا عقل بالغ في الفقه ، ولا تفتيش عن حقيقة الصّواب ، قد قلَّدوا أمرهم أهواءهم ، وجعلوا دينهم عصبيّة لحزب لزموه ، وأطاعوه في جميع ما يقوله لهم ، غيّا كان أو رشدا ، أو ضلالة أو هدى ، ينتظرون الدّول في رجعة الموتى ، ويؤمنون بالبعث قبل الساعة ، ويدّعون علم الغيب لمخلوق [ 3 ] ، لا يعلم أحدهم ما في داخل بيته ، بل لا يعلم ما ينطوي عليه ثوبه أو يحويه جسمه ، ينقمون المعاصي على أهلها ، ويعلمون إذا ظهروا بها ، ولا يعرفون المخرج منها ، جفاة في الدين ، قليلة عقولهم ، قد قلَّدوا أهل بيت من العرب دينهم ، وزعموا أن موالاتهم لهم تغنيهم عن الأعمال الصالحة ، وتنجيهم من عقاب الأعمال السيئة * ( ( قاتَلَهُمُ أللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) ) * * [ 4 ] فأيّ هؤلاء الفرق يا أهل المدينة تتبعون ؟ أو بأيّ مذاهبهم تقتدون ؟ وقد بلغني مقالتكم في أصحابي ، وما عبتموه من حداثة أسنانهم ، ويحكم ! وهل كان أصحاب رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وسلم وآله - المذكورون في الخير إلا أحداثا شبابا ؟ شباب واللَّه مكتهلون في شبابهم ، غضيضة عن الشرّ أعينهم ، ثقيلة عن الباطل أرجلهم ، أنضاء عبادة [ 5 ] قد / نظر اللَّه إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن ، كلما مرّ أحدهم بآية من ذكر اللَّه [ 6 ] بكى شوقا ، وكلما مرّ بآية من ذكر اللَّه شهق خوفا ، كأن زفير جهنم بين أذنيه ، قد أكلت الأرض جباههم وركبهم ، ووصلوا كلال الليل بكلال النهار مصفرّة ألوانهم ، ناحلة أجسامهم من طول القيام وكثرة الصيام ، أنضاء عبادة ، موفون لعهد اللَّه ، منتجزون لوعد اللَّه ، قد شروا أنفسهم ، حتى إذا التقت الكتيبتان وأبرقت سيوفها وفوّقت [ 7 ] سهامها ، وأشرعت رماحها لقوا شبا الأسنّة ، وشائك السهام ، وظباة السيوف بنحورهم ووجوههم وصدورهم ، فمضى الشابّ منهم قدما حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه ، واختضبت محاسن وجهه بالدماء ، / وعفّر جبينه بالثّرى ، وانحطَّت عليه الطير
--> [ 1 ] ف : « حلته » . [ 2 ] الحجرات : 13 . [ 3 ] ف : « لمخلوقين » . [ 4 ] التوبة : 30 . [ 5 ] أنضاء : جمع نضو ، وهو في الأصل البعير المهزول من السفر ، والمراد أن العبادة هزلتهم فأنحفتهم . [ 6 ] ف : « من ذكر الجنة » . [ 7 ] ركبت في الفرق وهو موضع السهم من الوتر ، والمراد الإعداد للحرب .