فخر الدين الرازي

215

تفسير الرازي

تعالى في المهاجرة عنهم ، ولهذا قال تعالى : * ( ولا تكن كصاحب الحوت ) * كأن الله تعالى أراد لمحمد صلى الله عليه وسلم أفضل المنازل وأعلاها . والجواب عن الشبهة الثانية : وهي التمسك بقوله تعالى : * ( فظن أن لن نقدر عليه ) * أن نقول من ظن عجز الله تعالى فهو كافر ، ولا خلاف أنه لا يجوز نسبة ذلك إلى آحاد المؤمنين ، فكيف إلى الأنبياء عليهم السلام فإذن لا بد فيه من التأويل وفيه وجوه : أحدها : * ( فظن أن لن نقدر عليه ) * لن نضيق عليه وهو كقوله تعالى : * ( الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر ) * ( العنكبوت : 12 ) أي يضيق : * ( ومن قدر عليه رزقه ) * ( الفجر : 16 ) أي ضيق : * ( وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ) * ( الطلاق : 7 ) أي ضيق ومعناه أن لن نضيق عليه ، واعلم أن على هذا التأويل تصير الآية حجة لنا ، وذلك لأن يونس عليه السلام ظن أنه مخير إن شاء أقام وإن شاء خرج ، وأنه تعالى لا يضيق عليه في اختياره ، وكان في المعلوم أن الصلاح في تأخر خروجه ، وهذا من الله تعالى بيان لما يجري مجرى العذر له من حيث خرج ، لا على تعمد المعصية لكن لظنه أن الأمر في خروجه موسع يجوز أن يقدم ويؤخر ، وكان الصلاح خلاف ذلك . وثانيها : أن يكون هذا من باب التمثيل بمعنى فكانت حالته ممثلة بحالة من ظن أن لن نقدر عليه في خروجه من قومه من غير انتظار لأمر الله تعالى . وثالثها : أن تفسر القدرة بالقضاء فالمعنى فظن أن لن نقضي عليه بشدة ، وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي ، ورواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهم واختيار الفراء والزجاج ، قال الزجاج : نقدر بمعنى نقدر . يقال : قدر الله الشيء قدراً وقدره تقديراً ، فالقدر بمعنى التقدير وقرأ عمر بن عبد العزيز والزهري : ( فظن أن لن نقدر عليه بضم ) النون والتشديد من التقدير ، وقرأ عبيد بن عمر بالتشديد على المجهول وقرأ يعقوب : ( يقدر عليه ) بالتخفيف على المجهول ، وروي أنه دخل ابن عباس رضي الله عنهما على معاوية رضي الله عنه ، فقال معاوية : لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فعرفت فيها فلم أجد لنفسي خلاصاً إلا بك فقال : وما هي ؟ قال : يظن نبي الله أن لن يقدر الله عليه ؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما هذا من القدر لا من القدرة . ورابعها : فظن أن لن نقدر : أي فظن أن لن نفعل لأن بين القدرة والفعل مناسبة فلا يبعد جعل أحدهما مجازاً عن الآخر . وخامسها : أنه استفهام بمعنى التوبيخ معناه أفظن أن لن نقدر عليه عن ابن زيد . وسادسها : أن على قول من يقول هذه الواقعة كانت قبل رسالة يونس عليه السلام كان هذا الظن حاصلاً قبل الرسالة ، ولا يبعد في حق غير الأنبياء والرسل أن يسبق ذلك إلى وهمه بوسوسة الشيطان . ثم إنه يرده بالحجة والبرهان . والجواب عن الثالث : وهو التمسك بقوله : * ( إني كنت من الظالمين ) * فهو أن نقول إنا لو حملناه على ما قبل النبوة فلا كلام ، ولو حملناه على ما بعدها فهي واجبة التأويل لأنا لو أجريناها على ظاهرها ، لوجب القول بكون النبي مستحقاً للعن ، وهذا لا يقوله مسلم ، وإذا وجب التأويل فنقول لا شك أنه كان تاركاً للأفضل مع القدرة على تحصيل الأفضل فكان ذلك ظلماً . والجواب عن الرابع : أنا لا نسلم أن ذلك كان عقوبة إذ الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا ، بل المراد به المحنة ، لكن كثير من المفسرين يذكرون في كل مضرة تفعل