فخر الدين الرازي
216
تفسير الرازي
لأجل ذنب أنها عقوبة . والجواب عن الخامس : أن الملامة كانت بسبب ترك الأفضل . المسألة الرابعة : قال صاحب " الكشاف " في الظلمات أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كقوله تعالى : * ( ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات ) * ( البقرة : 17 ) وقوله : * ( يخرجونهم من النور إلى الظلمات ) * ( البقرة : 257 ) ومنهم من اعتبر أنواعاً مختلفة من الظلمات فإن كان النداء في الليل فهناك ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت ، وإن كان في النهار أضيف إليه ظلمة أمعاء الحوت ، أو أن حوتاً ابتلع الحوت الذي هو في بطنه ، أو لأن الحوت إذا عظم غوصه في قعر البحر كان ما فوقه من البحر ظلمة في ظلمة ، أما قول من قال : إن الحوت الذي ابتلعه غاص في الأرض السابعة فإن ثبت ذلك بخبر فلا كلام ، وإن قيل بذلك لكي يقع نداؤه في الظلمات فما قدمناه يغني عن ذلك . أما قوله : * ( أن لا إله إلا أنت ) * فالمعنى بأنه لا إله إلا أنت ، أو بمعنى أي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له " وعن الحسن : ما نجاه الله تعالى إلا بإقراره عن نفسه بالظلم . أما قوله سبحانك فهو تنزيه عن كل النقائص ومنها العجز ، وهذا يدل على أنه ما كان مراده من قوله : * ( فظن أن لن نقدر عليه ) * أنه ظن العجز ، وإنما قال : * ( سبحانك ) * لأن تقديره سبحانك أن تفعل ذلك جوراً أو شهوة للانتقام ، أو عجزاً عن تخليصي عن هذا الحبس ، بل فعلته بحق الإلهية وبمقتضى الحكمة . أما قوله : * ( إني كنت من الظالمين ) * فالمعنى ظلمت نفسي بفراري من قومي بغير إذنك ، كأنه قال : كنت من الظالمين ، وأنا الآن من التائبين النادمين ، فاكشف عني المحنة ، يدل عليه قوله : * ( فاستجبنا له ) * وفيه وجه آخر وهو أنه عليه السلام وصفه بقوله : * ( لا إله إلا أنت ) * بكمال الربوبية ووصف نفسه بقوله : * ( إني كنت من الظالمين ) * بضعف البشرية والقصور في أداء حق الربوبية ، وهذا القدر يكفي في السؤال على ما قال المتنبي : وفي النفس حاجات وفيك فطانة * سكوتي كلام عندها وخطاب وروى عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لما أراد الله حبس يونس عليه السلام ، أوحى إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحماً ، ولا تكسر له عظماً " فأخذه وهوى به إلى أسفل البحر ، فسمع يونس عليه السلام حساً ، فقال في نفسه : ما هذا ؟ فأوحى الله إليه هذا تسبيح دواب البحر ، قال فسبح ، فسمعت الملائكة تسبيحه ، فقالوا مثله . أما قوله : * ( ونجيناه من الغم ) * أي من غمه بسبب كونه في بطن الحوت ، وبسبب خطيئته ، وكما أنجينا يونس عليه السلام من كرب الحبس إذ دعانا : كذلك ننجي المؤمنين من كربهم إذا استغاثوا بنا . روى سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " دعوة ذي النون في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك ، إني كنت من الظالمين ، ما دعا بها عبد مسلم قط وهو مكروب إلا استجاب الله دعاءه " .