فخر الدين الرازي

214

تفسير الرازي

وجوه . أحدها : أن أكثر المفسرين على أنه ذهب يونس مغاضباً لربه ويقال ، هذا قول ابن مسعود وابن عباس والحسن والشعبي وسعيد بن جبير ووهب واختيار ابن قتيبة ومحمد بن جرير فإذا كان كذلك فيلزم أن مغاضبته لله تعالى من أعظم الذنوب ، ثم على تقدير أن هذه المغاضبة لم تكن مع الله تعالى بل كانت مع ذلك الملك أو مع القوم فهو أيضاً كان محظوراً لأن الله تعالى قال : * ( فاصبر لحكم ربك * ولا تكن كصاحب الحوت ) * ( القلم : 48 ) وذلك يقتضي أن ذلك الفعل من يونس كان محظوراً . وثانيها : قوله تعالى : * ( فظن أن لن نقدر عليه ) * وذلك يقتضي كونه شاكاً في قدرة الله تعالى . وثالثها : قوله : * ( إني كنت من الظالمين ) * والظلم من أسماء الذم لقوله تعالى : * ( ألا لعنة الله على الظالمين ) * ( هود : 18 ) . ورابعها : أنه لو لم يصدر منه الذنب ، فلم عاقبه الله بأن ألقاه في بطن الحوت . وخامسها : قوله تعالى في آية أخرى : * ( فالتقمه الحوت وهو مليم ) * ( الصافات : 142 ) والمليم هو ذو الملامة ، ومن كان كذلك فهو مذنب . وسادسها : قوله : * ( ولا تكن كصاحب الحوت ) * فإن لم يكن صاحب الحوت مذنباً لم يجز النهي عن التشبه به وإن كان مذنباً فقد حصل الغرض . وسابعها : أنه قال : * ( ولا تكن كصاحب الحوت ) * وقال : * ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) * ( الأحقاف : 35 ) فلزم أن لا يكون يونس من أولي العزم وكان موسى من أولي العزم ، ثم قال : في حقه لو كان ابن عمران حياً ما وسعه إلا اتباعي ، وقال في يونس : " لا تفضلوني على يونس بن متى " وهذا خارج عن تفسير الآية . والجواب عن الأول أنه ليس في الآية من غاضبه ، لكنا نقطع على أنه لا يجوز على نبي الله أن يغاضب ربه ؛ لأن ذلك صفة من يجهل كون الله مالكاً للأمر والنهي والجاهل بالله لا يكون مؤمناً فضلاً عن أن يكون نبياً ، وأما ما روي أنه خرج مغاضباً لأمر يرجع إلى الاستعداد ، وتناول النفل فمما يرتفع حال الأنبياء عليهم السلام عنه ، لأن الله تعالى إذا أمرهم بشيء فلا يجوز أن يخالفوه لقوله تعالى : * ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) * ( الأحزاب : 36 ) وقوله : * ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) * إلى قوله : * ( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ) * ( النساء : 65 ) فإذا كان في الاستعداد مخالفة لم يجز أن يقع ذلك منهم ، وإذا ثبت أنه لا يجوز صرف هذه المغاضبة إلى الله تعالى ، وجب أن يكون المراد أنه خرج مغاضباً لغير الله ، والغالب أنه إنما يغاضب من يعصيه فيما يأمره به فيحتمل قومه أو الملك أو هما جميعاً ، ومعنى مغاضبته لقومه أنه أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العذاب عليهم عندها ، وقرأ أبو شرف مغضباً . أما قوله مغاضبة القوم أيضاً كانت محظورة لقوله تعالى : * ( ولا تكن كصاحب الحوت ) * ( القلم : 48 ) قلنا لا نسلم أنها كانت محظورة ، فإن الله تعالى أمره بتبليغ تلك الرسالة إليهم ، وما أمره بأن يبقى معهم أبداً مظاهر الأمر لا يقتضي التكرار ، فلم يكن خروجه من بينهم معصية ، وأما الغضب فلا نسلم أنه معصية وذلك لأنه لما لم يكن منهياً عنه قبل ذلك فظن أن ذلك جائز ، من حيث إنه لم يفعله إلا غضباً لله تعالى وأنفة لدينه وبغضاً للكفر وأهله ، بل كان الأولى له أن يصابر وينتظر الإذن من الله