فخر الدين الرازي

152

تفسير الرازي

حكى عن الخضر أنه قال : * ( إنك لن تستطيع معي صبراً . وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن المتعلم على قسمين متعلم ليس عنده شيء من العلم ولم يمارس القيل والقال ولم يتعود التقرير والاعتراض ، ومتعلم حصل العلوم الكثيرة ومارس الاستدلال والاعتراض . ثم إنه يريد أن يخالط إنساناً أكمل منه ليبلغ درجة التمام والكمال والتعلم في هذا القسم الثاني شاق شديد ، وذلك لأنه إذا رأى شيئاً أو سمع كلاماً فربما كان ذلك بحسب الظاهر منكراً إلا أنه كان في الحقيقة حقاً صواباً ، فهذا المتعلم لأجل أنه ألف القيل والقال وتعود الكلام والجدال يغتر ظاهره ولأجل عدم كماله لا يقف على سره وحقيقته ، وحينئذ يقدم على النزاع والاعتراض والمجادلة ، وذلك مما يثقل سماعه على الأستاذ الكامل المتبحر فإذا اتفق مثل هذه الواقعة مرتين أو ثلاثة حصلت النفرة التامة والكراهة الشديدة ، وهذا هو الذي أشار إليه الخضر بقوله : * ( إنك لن تستطيع معي صبراً ) * إشارة إلى أنه ألف الكلام وتعود الإثبات والإبطال والاستدلال والاعتراض ، وقوله : * ( وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً ) * إشارة إلى كونه غير عالم بحقائق الأشياء كما هي ، وقد ذكرنا أنه متى حصل الأمران صعب السكوت وعسر التعليم وانتهى الأمر بالآخرة إلى النفرة والكراهية وحصول التقاطع والتنافر . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بقوله : * ( إنك لن تستطيع معي صبراً ) * على أن الاستطاعة لا تحصل قبل الفعل . قالوا : لو كانت الاستطاعة على الفعل حاصلة قبل حصول الفعل لكانت الاستطاعة على الصبر حاصلة لموسى عليه السلام قبل حصول الصبر فيلزم أن يصير قوله : * ( إنك لن تستطيع معي صبراً ) * كذباً ، ولما بطل ذلك علمنا أن الاستطاعة لا توجد قبل الفعل . أجاب الجبائي عنه : أن المراد من هذا القول أنه يثقل عليه الصبر لا أنه لا يستطيعه ، يقال في العرف : إن فلاناً لا يستطيع أن يرى فلاناً و ( لا ) أن يجالسه إذا كان يثقل عليه ذلك ونظيره قوله تعالى : * ( ما كانوا يستطيعون السمع ) * أي كان يشق عليهم الاستماع ، فيقال له : هذا عدول عن الظاهر من غير دليل وإنه لا يجوز . وأقول مما يؤكد هذا الاستدلال الذي ذكره الأصحاب قوله تعالى : * ( وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً ) * استبعد حصول الصبر على ما لم يقف الإنسان على حقيقته ، ولو كانت الاستطاعة قبل الفعل لكانت القدرة على العلم حاصلة قبل حصول ذلك العلم ، ولو كان كذلك لما كان حصول الصبر عند عدم ذلك العلم مستبعداً لأن القادر على الفعل لا يبعد منه إقدامه على ذلك الفعل ، ولما حكم الله باستبعاده علمنا أن الاستطاعة لا تحصل قبل الفعل . ثم حكى الله تعالى عن موسى أنه قال : * ( ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصى لك أمراً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : احتج الطاعنون في عصمة الله الأنبياء بهذه الآية فقالوا : إن الخضر قال لموسى : * ( إنك لن تستطيع معي صبراً ) * وقال موسى : * ( ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصى