فخر الدين الرازي

153

تفسير الرازي

لك أمراً ) * وكل واحد من هذين القولين يكذب الآخر فيلزم إلحاق الكذب بأحدهما وعلى التقديرين فيلزم صدور الكذب عن الأنبياء عليهم السلام ، والجواب أن يحمل قوله : * ( إنك لن تستطيع معي صبراً ) * على الأكثر الأغلب وعلى هذا التقدير فلا يلزم ما ذكروه . المسألة الثانية : لفظة إن كان كذا تفيد الشك فقوله : * ( ستجدني إن شاء الله صابراً ) * معناه ستجدني صابراً إن شاء الله كوني صابراً ، وهذا يقتضي وقوع الشك في أن الله هل يريد كونه صابراً أم لا . ولا شك أن الصبر في مقام التوقف واجب ، فهذا يقتضي أن الله تعالى قد لا يريد من العبد ما أوجبه عليه ، وهذا يدل على صحة قولنا : إن الله تعالى قد يأمر بالشيء مع أنه لا يريده ، قالت المعتزلة : هذه الكلمة إنما تذكر رعاية للأدب فيما يريد الإنسان أن يفعله في المستقبل فيقال لهم هذا الأدب إن صح معناه فقد ثبت المطلوب ، وإن فسد فأي أدب في ذكر هذا الكلام الباطل ؟ المسألة الثالثة : قوله تعالى : * ( ولا أعصى لك أمراً ) * يدل على أن ظاهر الأمر يفيد الوجوب لأن تارك المأمور به عاص بدلالة هذه الآية ، والعاصي يستحق العقاب لقوله تعالى : * ( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ) * ( الجن : 23 ) وهذا يدل على أن ظاهر الأمر يفيد الوجوب . المسألة الرابعة : قول الخضر لموسى عليه السلام : * ( وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً ) * نسبة إلى قلة العلم والخبر ، وقول موسى له : * ( ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصى لك أمراً ) * تواضع شديد وإظهار للتحمل التام والتواضع الشديد ، وكل ذلك يدل على أن الواجب على المتعلم إظهار التواضع بأقصى الغايات ، وأما المعلم فإن رأى أن في التغليظ على المتعلم ما يفيده نفعاً وإرشاداً إلى الخير . فالواجب عليه ذكره فإن السكوت عنه يوقع المتعلم في الغرور والنخوة وذلك يمنعه من التعلم ثم قال : * ( فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً ) * أي لا تستخبرني عما تراه مني مما لا تعلم وجهه حتى أكون أنا المبتدئ لتعليمك إياه وإخبارك به ، وفي قراءة ابن عامر فلا تسألن محركة اللام مشددة النون بغير ياء . وروى عنه لا تسألني مثقلة مع الياء وهي قراءة نافع ، وفي قراءة الباقين لا تسألن خفيفة والمعنى واحد . قوله تعالى * ( فاَنْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً * قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْراً ) *